فن وأدب - مقالاتمقالات

عوائق المواطنة في فبراير الأسود

رسالة الفن

لا يتمارى اثنان ذوا حجا في أن الفن مرآة المجتمع، يعكس آلامه ويُنمي آماله ويحفز المتلقين نحو القيم العليا والغايات السامية للوطن، يغرس فيهم حب الوطن وقيم المواطنة ويوجه المجموع نحو المبادئ المرجوة لنهضة وطن، كما يعالج القيم السلبية والأمراض الاجتماعية والنفسية، يناقش معضلات وقضايا الأفراد والجماعات ويطرح لها الحلول، يقترح لها مخرجا ويضع بصمة قوية تمثل إرادة المثال، ما ينبغي أن يكون، ما يطمح إليه الفنان، ما يتمنى حدوثه بقلبه، فإن فشل في تحقيق المثال على أرض الواقع فيكفي أنه جسده تمثيلا واحتل مكانة كبرى من قلبه وآماله.

ليس الفن مجرد ضحك ولعب ولهو وعبث يا سادة، الفن له رسالة سامية أخلاقية تنويرية في المقام الأول ترفيهية في المقام الثاني، ليس الفن عُري وسخف بلا مضمون ولا هدف، ولكن مبعثه بالأساس أخلاقي؛ غايته أخلاقية ومبناه التنوير، وسيلته المحاكاة، سواء كانت محاكاة للواقع الأليم، أم محاكاة للمثال المأمول.

أعمال فنية جسدت قضايا حقيقية

ولكم سجل التاريخ بأحرف من نور هذا الدور التنويري الأخلاقي لبعض الأعمال الفنية الكثيرة التي جسد أدوارها الرئيسية فنانون مخلصون لقضايا الوطن والعروبة، قضية الوحدة العربية ومنها إلى السلام العالمي في فيلم “عندليب الدقي”،

وقضية العدالة والمساواة وعدم إفراط الدولة في استعمال القوة ضد مواطنيها، جسدها الفنان عزت العلايلي بصورة رمزية في فيلم “التوت والنبوت”، وقضية المواطنة، الانتماء للوطن مهما كانت الظروف ومهما ساءت الأحوال المعيشية للمواطنين، فهذا وطن يسكن فينا وليس فقط نسكن فيه،

قيمة حب الوطن وإن جفا وإن ظلم، الحب للحب لذات الوطن، تلك القيمة العليا التي جسدها من قبل الفنان هاني رمزي في فيلم “عايز حقي” والذي جسد آلام الشباب وقتل الواقع المأساوي لأبسط أحلامهم، لدرجة أوصلتهم إلى التفكير  في بيع الوطن ذاته، لكنهم سرعان ما تذكروا أنه وطن وأن الوطن لا يباع، الوطن يسكن الوجدان ويدب بأقدامه فوق سطح القلب، يمتزج بخلايا الجسم وتختلط كرات دمه الحمراء بالبيضاء، لا يخرج من الفؤاد إلا بالدم، بخروج الروح وانتهاء الحياة.

فيلم “فبراير الأسود”

تلك القيمة أيضا هي التي جسدها المبدع الراحل “خالد صالح” في فيلم “فبراير الأسود”، لينطلق الفيلم من سؤالين رئيسيين الأول ما الذي يساعد المواطن على الانتماء لوطنه؟ والثاني ما هو موقع العلم وأهله من السلطة الحاكمة في بلداننا العربية؟

وحاول الرجل تقديم إجابات شافية في صور رمزية جاءت ما بين السطور، حيث يسكن الوطن قلب المواطن حال شعوره بالعدل، وحال شعوره بالأمان وحال تلبية احتياجاته الأساسية .

هذه الأحاسيس لا تباع ولا تشترى ولكنها محض أعمال قلبية ينفعل لها المواطن، يشدو حنينا إلى وطنه حال تحقق تلك المشاعر، يجذبه الحنين إلى كل ذرة تراب من وطنه حال شعوره بالأمن والعدالة، فيصبح مواطنا بحق ينصهر بداخله حب الوطن، وتختلط ذرات ترابه بشغاف قلبه.

واستمرارا في الإجابة على هذا السؤال الأول، انبثق عنه سؤال ثان، عن علاقة العلم بالدولة ومدى احترام الدولة للعلماء، وهو سؤال جزئي انبثق عن كلية السؤال الأول، وهو معيار تقدم الدولة أو تخلفها، وقصد بتلك القضية الرمز إلى اهتمام المواطن أولا بالشعور بالمواطنة الحقيقية والتي حال توافرها يصبح هو قاطرة التنمية ودافع الوطن الأول نحو التقدم والنهضة، وتاليا فالعلاقة وطيدة بين الإحساس بالمواطنة والعمل لنهضة الوطن، جدلية ثنائية، غياب الإحساس بالمواطنة يؤدي إلى غياب النهضة، وتخلف الوطن دليل تخلفه أولا عن تحقيق قيم المواطنة.

ولكم بلغ إبداع “خالد صالح” ورفقائه في تجسيد تلك الجدلية، الوطن والنهضة من ناحية والوطن والعلماء من ناحية أخرى. فشعور المواطن بالأمن وبتلبية احتياجاته الأساسية يغرس بداخله حب الوطن ويعمل جاهدا على نهضته ورفعته، وشعوره بالإهمال وغياب العدالة والتهميش فضلا عن الخوف الدائم يرفع من قلبه أي قدر للوطن، بل يتحول من مواطن مفترض إلى عدو يحمل السلاح في وجه الوطن، أو على أقل تقدير حاقد وناقم على الوطن، مما يجعله وقودا قابلا للاشتعال ضد الوطن في أية لحظة.

الثنائية الجدلية

وحاول القائمون على “فبراير الأسود ” تقديم هذه الثنائيات الجدلية عبر قصص رمزية، تجلي مدى المأساة الواقعية التي يحياها الوطن.

لقد تعلم الرجل وأخوه حتى صارا عالمَيْن، ولكنهما لم يحصلا على أدنى حقوقهما في الوطن، فأصبحا –رغم مكانتهما العلمية تلك– مهمشَيْن، لا قيمة لهما ولا كرامة، يتعرضان للاعتداء من أي شخص، يفقدان كرامتهما وقيمتهما عند أول اصطدام بالواقع المعاش، ما الحل إذن؟ ما السبيل إلى الخلاص والقفز من اللاكرامة إلى الكرامة؟ من اللاقيمة إلى القيمة؟ تلك هي المعضلة الكبرى لقيم المواطنة! وتلك هي الإشكالية الحقيقية التي تربط بين الوطن والمواطن، الجسد والروح، الذات والموضوع.

فكر الرجل وتفكر، لم يجد من سبيل غير سبيل واحد يسير في اتجاهات ثلاثة كلها تمثل نذر خطر حقيقي على الوطن والمواطنين، فالأول أن ينصرف ابنه من العلم ويتجه إلى الكرة، والثانى أن ترتبط ابنته بقاض أو بضابط أو بأحد رجال المخابرات والذين أسماهم “جهات سيادية”، والثالث أن ينجب طفلا يحصل على جنسية إحدى الدول المتقدمة مثل اليابان أو فرنسا أو غيرها من الدول الأوربية.

هذا منتهى ما وصلت إليه أمنيات العالم، فمع يقينه بأن العلم نافع وأن الكرة زبد، مع علمه بأن العلم خير وأبقى وأن الكرة لا تفيد في بناء الدول، إلا أنه فضل أن ينصرف ابنه عن العلم لأنه لا مستقبل له في وطن رضع قيم التخلف فتأخر عن ركب الأمم بالآف السنين، ويتجه إلى الكرة حيث يكمن فيها المستقبل للعائلة، المال والأمان والشهرة، متطلبات المواطنة الرئيسية التي لم يستطع العلم تحقيقها.

حلم الأمان

كذلك فكر في ارتباط ابنته بأحد أفراد الجهات السيادية، وابتكر الحيل ليتم هذا الارتباط، تشعر وكأن الأسرة بأكملها لا تعمل ولا تأكل ولا تشرب ولا تنام إلا بحثا عن حلم تحقيق الأمان أيا كانت الوسيلة وأيا كانت الطريقة وأيا كان الثمن، فقد رفضوا عالما تقدم لخطبتها لأن العلم أصبح بلا قيمة وتاليا فلن يحقق الأمان المنشود لهم، وهم يبحثون عن الأمان، الأمان الذى تحققه السلطة لا العلم، وتلك أولى علامات التخلف لأي دولة، فالعلم تخدمه السلطة، أما إذا تحقق العكس فالوطن يسير على رأسه لا على قدميه.

ولهثا وراء حلم الأمان فقد ابتكرت الأسرة بكامل أفرادها الحيل للايقاع بقاض لخطبة ابنة الأسرة الكبرى خطوبة مصلحة لا حب، بحثا عن مفقود لا عن وجود، وكأن أسرة الفيلم يرسخون لدى المشاهد أن كل شيء يهون لأجل الإحساس بالأمان، بل أخص شيء يهون، الحب والحياة وقيمة الوجود الذاتي للفرد،

كل ذلك يطؤونه بأقدامهم فدية للأمن الذي ينشدونه، والذي لم يستطع العلم تقديمه لهم، يدلك على ذلك أنهم طردوا “العريس” فور فصله من عمله، مما يدل على أن البنت “العروس” لم تكن تحبه، وإنما كانت تمثل الحب عليه فداء لمفقود الأسرة وبحثا عن أسباب سعادتها، وكأن البنت مجرد ترس في آلة الأسرة، والأسرة كلها مجرد ترس في آلة الزمن.

ثم تبتكر تلك الأسرة أيضا حيلا جديدة يوقعون بها ضابط أمن دولة لخطبة ابنتهم وتفلح كل خططهم التي رسموها لأجل هذا الهدف، ولكنهم سرعان ما يفعلون معه مثل ما فعلوه مع من قبله لأنه فُصل من عمله.

الصراع بين العلم والسلطة والمواطنة

ويمضي الوقت، ويعود القاضي لمنصبه والضابط لعمله، وتتجدد المنافسة بين الإثنين على خطبة “العروس” ينافسهما العالم الذي هو الخطيب الأول، ولكم أبدع طاقم الفيلم في تصوير المشهد الأخير الذي يجسد قمة الصراع بين العلم والسلطة وقيم المواطنة، يجسد عوائق المواطنة بحق، يجسد الصراع بين الواقع والمثال الواقع بمرارته وآلامه، والآمال برونقها وعدالة قضيتها وعقلنة مطالبها وواقعية طموحاتها.

يجلس خالد صالح مع المأذون والعريس “ضابط أمن الدولة” لعقد القرآن، ولكنه يفاجأ بالثورة تشتعل في الميادين، هتافات في كل مكان، رياح الثورة تهب، مطالب التغيير تولد، عيش حرية عدالة اجتماعية، الشعب يريد إسقاط النظام.

وفي مشهد بديع ينزع خالد صالح يده من يد الضابط “العريس” ليُشبع فؤاده ويمتع نظره بالهتافات، كأنه لا يُصدق أن الوطن قد يعود يوما ما لأصحابه، وأن قيم المواطنة الحقيقية قد تشتعل في أفئدة المواطنين من جديد، يعود مسرعا إلى المأذون: “أوقف كل شيء، ليس عندي بنات للزواج” ، هكذا قال وعيه قبل لسانه،

لكم كانت أمنيته أن يكون في وطن يحترم المواطن، وأن تتزوج ابنته من العالم وأن تحقق ذاتها ومشاعرها ونبض قلبها لا أن تُساق إلى الزواج بفعل الإكراه بحثا عن أمان الأسرة، لقد تمنى أن يسود العدل وتتحقق شرائطه في هذا الوطن، ليعود حبه كما كان متربعا على صفحات القلوب، ولكن الأمنية شيء والواقع شيء آخر تماما.

نهاية تجسد الواقع

ولكن الأمل اليوم يتجدد، هبوب ثورة قد تحمل لقاحات التغيير، قد تعيد الوطن إلى أهله، قد تعود قيم المواطنة من جديد وعلى إثرها العمل لنهضة الوطن ورفعته، لقد تكلم الرجل بكلام ما أجمله، وما أروعه، لن نزوج ابنتنا إلا بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، فعسى أن يحكم البلاد من يعرف طريق النهضة ويسعى إليها بحق فيمّكن للعلماء وتلك الأمنية والغاية،

وعسى أن يستمر الوضع على ما هو عليه، السلطة في يد الجهات السيادية، والشعب بما فيه من علماء ومعلمين وأصحاب فكر يخدمون تلك الجهات السيادية، ولا عزاء للعلم أو للقيم المنطقية، ليظل التخلف يسود البلاد، وتظل التبعية والتأخر هما المصير المحتوم على بلادنا.

لقد جلست ابنته في المشهد الأخير وهي ترمز إلى “الوطن” وجلس المتقدمون الثلاثة لخطبتها أمامها، اثنان يشيران إلى السلطة، وواحد يشير إلى العلم، وترك النهاية يجيب عنها واقع المستقبل القريب، إما أن يحكم العلماء فتنهض البلاد وتتحقق المواطنة،

وإما أن تحكم الجهات السيادية فتغيب قيم المواطنة وتتخلف البلاد عن ركب الأمم، ويا لها من نهاية تجسد الواقع وترسم طريقا للخلاص في المستقبل، إذ لا حل بغير تحقيق المواطنة، إحساس المواطن بالأمان ليعمل ويجتهد بدلا من البحث عن جنسية دولة أخرى يبحث فيها عن أمانه المفقود، وبدلا من البحث عن مصاهرة جهات سيادية ليكون البحث فقط عن العلم تحت ظلال العدل وهذا هو محط الآمال للأجيال القادمة.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

قراءة في مفهوم الوطن

كيف يدافع الفن عن قضية؟

العلم في مقابل مهارة التواصل مع الآخرين

اظهر المزيد

د. محمد ممدوح علي عبد المجيد

حاصل على درجة دكتوراه الفلسفة اليونانية جامعة القاهرة ودكتوراه الفلسفة الإسلامية والتصوف – جامعة المنصورة وعضو الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة وحاصل على جائزة الدولة التشجيعية فى الفلسفة وعلم النفس لعام 2020م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى