مقالات

مناقشة لأحداث فيلم ” الدائرة ” The Circle – مجتمع الدائرة وتزييف الوعي

فيلم الدائرة موضوعه الخصوصية ومواقع التواصل…

فيه البطلة (ماى) تحصل على وظيفة فى الدائرة (شركة مالكة لموقع تواصل) يمتلكها (بايلى وتوم) وتكون ماى كالعروس الماريونيت فى يد بايلى يستغلها فى جذب الجمهور وإقناعه بأهمية الدائرة كوسيلة وحيدة لمثالية الفرد وأمان المجتمع ثم تنقلب الليلة على بايلى بعد ما تكشف ماى حساباته السرية للجمهور لكن مازالت ماى عروسة ماريونيت تصلح لتلاعب أى أحد بها!

لماذا (ماى) تشبه عرائس الماريونيت؟! ولماذا يتبعها الجمهور؟! لعلك تجد هنا توضيحا وجوابا!

لأن تحديدا واضحا لمنافع ومساوئ مواقع التواصل لا يتأتى من حديث يبدأ بسؤال مثل (إيه رأيك فى مواقع التواصل وانتهاك بعض أو كل الخصوصيات؟!) لا يبدأ من الحديث عن الوسيلة إنما يبدأ من الأشخاص سواء مالكى الوسيلة أو مستخدميها.

تزييف الوعي

فلنبدأ بشخصية (بايلى)، رغم قلة الظهور إلا أنها مبهرة لمجتمع الدائرة، لكن دائما ما يثير الانبهار قلقى خصوصا لو كان المنبهر مجتمعًا مزيف الوعى مثل (مجتمع الدائرة) أو الشخصية محط الانبهار قادرة على الخداع كشخصية (بايلى)؛ فهنا ليس الانبهار أو الإعجاب لقيمة حقيقية وإنما هو نتيجة تلاعب المخادع بمجتمع يعانى حالة من تزييف الوعى.

رغم التكنولوجيا المتقدمة جدا فى (مجتمع الدائرة) إلا أن وعى هذا المجتمع مزيف، وظهر أثره فى التصفيق الحاد لما قال (بايلى) أن المعرفة جيدة لكن معرفة كل شىء أفضل.

المعرفة جيدة لا شك لكن للمعرفة أولويات فمثلا جميعنا يحتاج لمعرفة أن الإنسان له جانب مادى وجانب معنوى ومن هنا يحتاج لكفايته من المادة (الطعام والشراب و…) ومحتاج لارتقاء على مستوى المعنى يتحصله بالتعلم والتدبر والتخلق بالفضائل الكريمة.

وكل إنسان له وظيفة أو دور مجتمعى تجعله يُقبل على معرفة مخصصة (سواء نظرية أو مهنية) فمثلا المعلم يحتاج لمعرفة أسس وقواعد صحيحة للتربية والتعليم  لتعينه على التعامل مع طلابه لكن بالتأكيد لا يهمه كيف أجرى الطبيب عملية إزالة اللوزتين لأحد التلاميذ! فكل منا له دور يخدم به الآخر ضمن المجتمع الإنسانى المتكامل تحت مظلة من العدالة التى تحفظ الحقوق والواجبات، يمكن جمع كل ما لدينا من المعارف والمعلومات فى مكان واحد كما كان مثلا فى  مكتبة الإسكندرية قديما، فهذا الاجتماع المعرفى العظيم كان منارة للعالم!

وهذا يختلف تماما عن أن تكون كل المعارف والمعلومات مجتمعة فى مكان واحد يتحكم فيه شخص أو جهة واحدة ويستغل المعرفة لا فى إنارة العالم إنما فى التحكم واستعباد العالم!

نظرة مجتمع الدائرة للمعلومات

والآن لننظر إلى المعلومات التى يسعى لمعرفتها مجتمع الدائرة؟!

يمكن أن يسعى لعرض معلومات غير مهمة مثل أن شخصا ما يصحو الساعة السابعة صباحا ويشرب نوعا معينا من القهوة! معلومة كهذه لو عن شخصية هامة تُستغل فى الدعاية للقهوة! فهذه الشخصية هامة وتستخدم سلعة معينة لذلك هى سعيدة!

معلومة تم توظيفها فى ربط السعادة بالاستهلاك!

وصورة يظهر فيها أحد المسؤولين متورطًا فى عمل غير مقبول لا يتحرى أفراده الحقيقة هى معلومة يتم استغلالها فى توجيه الجمهور إلى حيث يريد مصدر المعلومة تماما كما حدث مع السيناتور (أحد المسؤولين) لما اعترضت على سياسات الدائرة وخطر احتكارها للمعلومات فتم قلب الرأى العام ضدها من مجرد صورة!

لما يلهث المجتمع وراء معلومات تلهيه فى الاستهلاك أو الانشغال بأمور لا توصل لحقيقة فهل هذه المعلومات تمثل معرفة فاضلة يرتقى بها الفرد والمجتمع؟! هل ترى تشابها ولو بسيطًا بين مجتمعنا العالمى ومجتمع الدائرة؟!

ظهر الوعى المزيف لمجتمع الدائرة أيضا فى مفهومهم عن القيمة المعنوية لوجود الإنسان فى المجتمع؛ فبدلا من أن تكون الغاية من أن يجد الإنسان معانى الألفة والصداقة الحقيقية والتواصل الأسرى الواقعى والدعم المعنوى فى حالات الحزن يجد عددا من المشاركات التى تعتبر دليلا على الاهتمام ويجد تحويل حدث جيد إلى مأساة بسبب سوء فهم الكتير من أصدقاء مواقع التواصل ووجد البعد عن العائلة سهل لما استهلك نفسه فى الأنشطة الاجتماعية، يبدو هذا الفرق واضحا فى حياة (ماى) قبل وبعد الالتحاق بالدائرة.

مفهوم مجتمع الدائرة عن الشفافية

وأخيرا مفهوم مجتمع الدائرة الخاطئ عن الشفافية؛ فبدلا من أن يكون معناها الصدق مع النفس ومع الله عندما يكون الإنسان بعيدا عن نظر الناس أو الكاميرات والصدق مع المجتمع إذا كان هناك حاجة مجتمعية لمعلومة ما من أجل تحقيق عدالة، بدلا من ذلك أصبحت الشفافية أن يكون كل شيء على مرأى ومسمع الجميع فورا، فتلك هى الديموقراطية كما يجب أن تكون وبهذه الطريقة عندما يكون الإنسان شفافا للغاية بلا أسرار سيكون مثاليا! لا يجرؤ على الكذب أو السرقة أو ارتكاب جريمة!

هذا مجتمع الدائرة مزيف الوعى لا يدرى ماذا عليه أن يعرف حقا ولا يدرى ما قيمة وجوده ضمن مجتمع ولا يدرى ما الشفافية (الصدق)، مجتمع غفل عن غاية العدل واتخذ مصلحة (بايلى) الفرد مصلحة قومية! ترك الضمير واختار الكاميرا بديلا!

مجتمع كهذا ليس آمنا ولا أفراده مثاليين! مجتمع عبارة عن شركة (أو عدة شركات) تستغل  الوعى المزيف لدى الجمهور وتوجهه حيث شاءت وتفرض ضغوطا على الحكومات! شركة لا نأمن شرور المقيمين عليها!

(بايلى) و(توم) متهمان بالخداع وعدم الشفافية والتحكم بالمعلومات واستغلال التقدم التكنولوجى لا فى خدمة العدالة والإنسانية، إنما لتحقيق نفوذ خلال التأييد المجتمعى للدائرة والضغط على الحكومات.

فما الحل؟!

الحل المعروض فى الفيلم أن يكون الاثنان (بايلى وتوم) شفافين للغاية؛ فكل رسائلهم وخططهم السرية والسرية للغاية أصبحت متاحة للعامة! تعاون (تاى) و(ماى) فى ذلك، فهل هذا حل فعال يخلص مجتمع الدائرة من الوعى الزائف وسلطة شركات هدفها الربح المادى فقط؟! هل تحولت ماى من عروسة ماريونيت إلى شخص فاهم واعٍ بالمجتمع؟!

ليس حلا فعالا فإن تخلصنا اليوم من (بايلى) فمازال المجتمع يعيش أزمة معرفية وأخلاقية وبالتالى عرضة لنماذج متتالية مثل (بايلى) و(توم).

مجتمع الدائرة لا يضطلع بمهمة إصلاحه شخصية مثل (ماى) لأنها فى حالة من التخبط لا تتصرف عن وعى؛ إنها عروسة ماريونيت!

إنما يتولى قيادة المجتمع نحو اعتناق الوعى الحقيقى أشخاص واعين فاهمين لجذور مشكلة المجتمع المعرفية والأخلاقية، أشخاص على قدر من الفكر السليم والأخلاق الحسنة يعيدون بناء وعى المجتمع على أسس صحيحة ضامنة لحياة آمنة سعيدة، حياة قد لا تخلو تماما من الكذب أو الجريمة إنما تقل فيها الجريمة لأدنى مستوى بسبب وجود نظام أخلاقى صحيح يحكم الجميع خصوصا المعتدى، فلا يبالغ فى فحش الجريمة أو إنكارها والمعتدى عليه، فلا يرد الظلم بالظلم إنما يأخذ حقه  خلال منظومة العدالة فقط.

هؤلاء الواعين لا يستغلون حدثا مثل خداع (بايلى) وتورطه في استمرار غرق المجتمع فى الوعى المزيف كما فعلت ماى!

(ماى) بفعلتها أصلت فى الجمهور المفهوم الخاطئ للشفافية (أن تكون مراقبا بالكاميرات) أما الواعى نافذ البصيرة فيستغل مثل هذا الموقف لقلب الوعى الجماهيرى المزيف إلى وعى حقيقى.

ملحوظة أخيرة

وأخيرا أذكر أنه أثناء مناقشة هذا الفيلم تفضل أحدهم وقال أن بهذا التحليل يبدو التواصل الاجتماعى الإلكترونى سيئا، بالتأكيد لا يمكننا الجزم بذلك فهناك ايجابيات كثيرة لمواقع التواصل لكن المؤكد أن وسائل التواصل وسيلة كما الفن والإعلام تحتاج لمنظومة قوانين عادلة حاكمة يلتزم بها المالك والمستخدم وبالتأكيد تحتاج لمجتمع يحميه من زيف الوعى نخبةٌ عاقلة وتقوده سلطة لا ترى فى القيادة غاية إنما وسيلة ودور مهم ومسؤولية لا ينتظم المجتمع بدونها.

اقرأ أيضاً .. يعني اية تربية ؟

اقرأ أيضاً .. نعم أنا متشكك، إلى أين يؤدي بنا الشك ؟

اقرأ أيضاً .. هل كل ما نقرؤه في المجالات العلمية معلومات صحيحة ؟

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

مقالات ذات صلة