اقتراحات الموقعمقالات

عش للجمال

ومازلت أبحث عن الجمال في كل شيء فأجده، وأفتش عنه في كل حين فأعثر عليه، فالجمال عندي هو غاية كل قول وبغية كل عمل، وهو الشاهد على إتقان الصانع صنعته وإجادة العامل عمله.

أولست ترى الأمم العظيمة إذا هي بلغت أوج قوتها وسنام مجدها عمدت إلى الجمال تبرز به تليد أمجادها وتخلد به عظيم سيرتها؟ وما معابد الفراعين وآثار أهل الصين من ذلك ببعيد، وإنها لخير شاهد عليه وأكبر دليل، وما انكباب الباحث -في معمله- على دقيق أجهزته وعديد تجاربه إلا إدمان للنظر في جميل خلق الله ودقة صنعه، وما انكفاء العالم -في عزلته- على عظيم كتبه وكثير مخطوطاته إلا إبحار في محيطات من جمال العلم لا تنتهي.

وما الشغف سوى قمة شعورك بجمال العمل، تذوقه تارة فتتلذذ به، فتكثر منه، ثم ما تلبث أن تعتاده وتدمنه، وإنك لترى الكاتب قد بلغ من شدة شغفه بالكتابة حدًا لا يهدأ معه باله حتى يهرع إلى الجمال بين أسطر أوراقه ومداد قلمه، وترى الشاعر لا تسكن نفسه حتى يلوذ بالجمال بين قوافي أبياته وأوزان شعره، وكذا المثال لا يسعد إلا حين يركن للجمال في تفاصيل نحته وعجين صلصاله.

ما عظيم الأخلاق إلا أجملها

وإنك لتعجب لرجلين، يبيعك أحدهما اللوحة أو الكتاب لا يرى منهما سوى القماش أو الورق، بينما يبيعهما لك الآخر وهو يتغزل في جمال الرسم وبراعة الراسم، ويمتدح روعة الفكرة وصنعة الكاتب، فلا تفيق إلا وقد غرق وأغرقك في تفاصيل من الجمال لا حدود لها ولا نهاية لروعتها.

وإنك لن تعدم أن ترى جمالا في كل ما حولك، تبصره في الكون الواسع بنجومه وأجرامه، وتراه في الخلايا الضيقة بعضياتها، وفي الجسم بتفاعلاته، تسمعه تارة في تلاوة شيخ وفي ابتهالاته وتارة أخرى في ملاغاة طفل وفي ضحكاته، وتشمه مرارا في رائحة فل أو ياسمين أو ريحان، وتتذوقه كثيرا في حبات عنب أو توت أو رمان.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ثم انظر إليه في أخلاق الناس وفي عباداتهم، فما عظيم الأخلاق إلا أجملها، وما إحسان معاملة الناس إلا جميل القول لهم وجميل الصنيع إليهم، وما إحسان العبادة لله إلا تجميلها، وما الدين إذ يدعونا للطهارة وأخذ الزينة عند كل مسجد إلا دعوة متكررة للجمال، وما الرب حين خلقنا فأحسن صورنا إلا جميل يحب الجمال.

وانظر إلى نفسك حين يعجبك الشيء بشدة، فإنك لا تجد ما تعبر به عن شدة إعجابك هذا سوى أن تصيح بملء فيك: “الله!”، تمط حروف الكلمة مطًا وتمدها في النطق مدًا، فكأنما لفظ الجلالة هو خير ما يصف الجمال اللا متناهي، وهو أبلغ ما يعبر عن إعجابنا بالشيء الذي تعجر عن وصفه الكلمات.

وإن من أجمل ما نظم في الشعر، ما قاله إيليا أبو ماضي:

عش للجمال تراه العين مؤتلقا ..

في أنجم الليل أو زهر البساتين.

فعش للجمال، فإنه من عمي عن الجمال فقد عمي عن الله.

اقرأ أيضاً:

الأبعاد الجمالية لأخلاقيات البيئة

الجمال جمال الروح

كن جميلًا ترى الوجود -على حقيقته- جميلًا

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. عمرو أبو الحسن

مدرس مساعد أمراض الصدر – كلية الطب جامعة أسوان

مقالات ذات صلة