مقالاتقضايا شبابية - مقالات

طبيعة المجتمع الإنساني وما يتم بداخل من تدافع وتأثير فكري وسلوكي

الإنسان كائن حي عاقل، يختلف اجتماعه كثيرًا عن اجتماع أي كائن حي آخر في التأثير والتأثر بمجموعته، وذلك لما يحمله من قوى نفسية تنقبض لبعض الأمور؛ فتنفر منها وتنبسط لأخري فتقبل عليها وتقلدها، فمثلاً على مستوي الحيوان إن حمل أحد القطيع مرض ما، فإن ذلك المرض ينتقل من جسد الحيوان المريض إلي غيره من الحيوانات، إلي أن ينتهي بشفاء بعضها نتيجة لمناعتهم الجسدية أو هلاك البعض لضعف مناعتهم، أو تدخل عامل خارجي وليكن تلقيهم علاج يشفي ذلك المرض، أو هلاكهم تمامًا واحدًا تلو الآخر.

وذلك الأمر قد يتشابه لأقصي حد مع الإنسان لقرب جسده الحيواني من الحيوانات، ولكن ما نقصده هنا هو روح الإنسان والأثر المعنوي الذي يحدث فيه، فكما شبَّهنا القطيع الحيواني بالمجتمع البشري في التدافع والتأثر، فهنا يحدث على صعيد الروح كما يحدث على صعيد الجسد، ولكنه أشد خطورة وفتكًا، فكما أن للفكر السليم أثره الطيب والحسن يكون كذلك للفكر الفاسد أثره السيء و المفسد،

فمثلاً إن الوعي الذي لدي الإنسان مكَّنه من الوصول لتلك الحضارة الإنسانية المتطورة والتي تظهر مدي قوتها المعرفية التي تحصلت عليها روحه إلى أن مكنته من القدرة على التأثير في الطبيعة، وتطويعها لخدمته بعد فهم قوانينها وعلومها فتطور على المستوي المادي، التطور الذي مكنه لأن يطوي المسافات طيًا بالانتقال أو الاتصال مع غيره بالوسائل التكنولوجية الحديثة التي ابتكرها

لنعير في حديثنا ها هنا الأثر العائد على روح الإنسان كونه فرد من المجتمع الإنساني يؤثر فيه ويتأثر به مع وجود وسائله الحديثة تلك واتساع دائرة تأثيره لما أصبح عليه المجتمع البشري داخل ذلك العالم من انفتاح كبير على بعضه البعض .

التفاعل الإنساني

الأمر يبدأ بكل بساطة من حس وإدراك إلي انفعال وتحرك، وذلك يحدث مع كل إنسان حينما يري أو يشاهد أمر ما يفعله غيره فيقع في فهمه وإدراكه فكرة ما، تحرك نفسه فينفعل ويذهب لأن يفعل سواء فعل يطابق ما رأي أو يخالفه، كما قيل في الفيزياء لكل فعل رد فعل،

فمثلاً يقف شخص ليقوم بإلقاء منديل في الشارع فيشاهد آخر، وهو يمسك بيده زجاجة عصير فارغة، فما يحدث هنا كله هو مشاهدة ( أي حس )، فيدرك بعقله وفكره ذلك الفعل، فإما أن يجده أمر يحقق له منفعته الفردية فيفعل مثلما فعل غيره، أو أنه يدرك أن ذلك مخالف لقيمة العدل التي تقتضي مراعاة الحقوق المجتمعية كما يراعي حقوقه الفردية، فيرجح قيمته بفعل أنه يحتفظ بها إلي مكان وجود سلة فيضعها فيها.

أو أننا نجد أشخاص تقوم ببعض السلوكيات على المواقع والمنصات كاليوتيوب أو التيك توك أو الفيس بوك أو غيرها من مواقع التواصل أو حتي في التلفاز فيحدث بعد المشاهدة تأثر فإن كانت الفكرة فاسدة وتم التأثر بها انتشر فساد تلك الفكرة في العقول المقلدة لها وبالتالي أصاب المجتمع أثر ذلك الفكر السيء بفساد السلوكيات .

التفاعل الإنساني ومدى أثر التدافع البشري

ما تم هنا هو ذلك التفاعل الإنساني بشكل بسيط جداً، لأنه يزداد تعقيدًا عن ذلك بكثير، وتزداد وتتسع دوائر أثاره إلي ما يفتك بأجيال، فمثلاً تلك العادات والتقاليد التي تسير بها بعض البلاد، تلك كانت هي معتقدات وتقاليد وأعراف أجداد الأجداد فبقت كأفكار متوارثة باعتقاد الأشخاص عبر الأجيال والأحفاد،

وهنا يظهر مدي أثر التدافع والتأثير البشري الحادث نتيجة الفكر والسلوك، وكأنه موج بحر يدفع كل ما في طريقه، فإن كان هناك على السطح مركب سحب ذلك التيار المركب باتجاهه، إلا إذا وجد للمركب شراع ودفة أي القدرة الذاتية على التوجيه والاختيار في أي اتجاه يسير ، وهو ما يجب فعله من قبل الإنسان تجنبًا لأن يصبح تلك النسخة الحديثة من الأجداد، حاملاً عنهم اعتقاداتهم وأفكارهم والخطأ هنا ليس في التقليد إنما فيما يتم تقليده!

هل هو فكر سليم أم فكر فاسد؟ هل ينجرف المركب في اتجاه شلال يفتك بمصيره أم أنه في اتجاه الشاطئ والمرسى؟!

طبيعة النفس الإنسانية من قوي عقلية وشهوية وغضبية ودور تلك القوي في تحريك ودفع الإنسان للفعل.
بمعرفتنا لطبيعة الإنسان قد نحيط بمدي التفاعل الحادث فيها والتقلب والتأرجح بين الصواب والخطأ أي الحق والباطل.

يتكون الإنسان من جانبين أحدهما مادي (جسد) والآخر معنوي (روح)، وما يلزم حديثنا هنا هو الجانب المعنوي (الروح)، لأنه هو ما يحرك الجانب المادي ( الجسد )، فإن الروح هي ما تملك القوة لتحريك الجسد القابل للفعل والحركة، فصنَّف الفلاسفة قوي الروح إلي ثلاثة قوي،

لكل منها طبيعة خاصة ووظيفة تُبقي حياة الإنسان وتمنحه القدرة على التكامل، وأولها القوة العقلية وبدورها هي القوة المدركة والمحصلة للمعارف أي أنها المحيطة بحقيقتها وحقائق الأشياء، وقوة غضبية وهي قوة محركة

تنفعل فتدفع صاحبها لنيل منفعة أو دفع ضرر، وقوة شهوية كذلك هي قوة محركة تنفعل فتدفع صاحبها لنيل منفعة .

وظيفة القوى في سلوكياتنا الحياتية

ومن عرضنا لطبيعة تلك القوي تظهر وظيفتها بالإمعان في سلوكياتنا الحياتية، فمثلاً حين نشاهد إعلان لمنتج غذائي ينفعل المرء شهوياً طلباً لمنفعة الأكل، فما إن كان إدراكه لحقيقة ذلك المنتج بأنه يحتوي على الكثير من الدهون والنشويات وبعض المواد الأخرى التي تسبب له الضرر كمكسبات الطعم واللون والرائحة، حكم عقلاً أنه ضار، فإن انفعل بغضبه لطلب الصحة ودفع المرض، تجنب ذلك المنتج بامتلاك العقل زمان الشهوة .

فالأمر هنا توقف على عملية الإدراك، فإن أدرك الإنسان حقيقة الأشياء وتحرك وفق إدراكه ذلك بشكل سليم، أصبح الأثر الذي يحدث في نفسه وفي محيطه أثر طيب، وهنا نتأكد أن فساد أي فكر أو سلوك في العالم هو نتيجة لإدراك خاطئ من قبل صاحبه،

ظنًا منه أنه صائب فتحرك وفق ذلك الإدراك أي الفكر الفاسد، فأفسد في محيطه وسبب أثر سيء لنفسه وغيره، لذلك يتوقف الأمر على أهم نقطة وهي سلامة الإدراك؛ من ثم التحرك وفقه أي الفعل السليم.

أثر الفرد في نفسه والآخرين (ما بين طيب الأثر و فاسده)

بعدما تعرفنا على حقيقة النفس، وأنها ما إن امتلكت الفكر السليم وامتهنت الفعل السليم تكون لديها طباع وملكات وفق ذلك الفكر والفعل، فمثلاً تعود المرء على الصدق في مختلف المواقف مراعيًا بذلك لقيمة الصدق نفسها لا لمنفعته المادية، فإنه يطبع في نفسه ذلك الأثر ليدعه ملكه لا تكلفه التفكير في المواقف إنما ينفعل ذاتيا في مواقفه الحياتية المختلفة ،

وطالما أنه فرد من أفراد المجتمع وكذلك أفراد إحدي أسر ذلك المجتمع؛ فهو يؤثر بذلك في محيطه بأفعاله تلك، وإن حدث وكان له وظيفة تمنحه دائرة أوسع في الانتشار كأن يصبح مثلاً معلماً أو ممثلاً أو مذيعاً أو كاتباً أو مفكراً أو صانع محتوي على مواقع التواصل الاجتماعي كاليوتيوب أو الفيس بوك أو غيرها ، كان ذلك التأثير له واقع أوسع وأثر أكبر في مجتمعنا الإنساني .

وعلى النقيض إن كان ذلك الشخص ذاته يمتلك قيم وأفكار فاسدة كالمنفعة مثلاً وحب الظهور والعجب والكبر والأنا، وكان كما تقدمنا له دائرة واسعة يطل من خلالها على الكثيرين فينشر ذلك الأثر السيء على غيره فيفسد به ،

وهنا يأتي ضرورة الإشارة لمثالنا السابق ألا وهو التيار الجارف للمركب فإن كوننا في المجتمع مشاهدين ومستمعين وقارئين ومتعاملين ومتعلمين من الكثير من الأفراد ، منهم من هو طيب الأثر ، ومنهم من هو فاسد ، فأولي بنا أن نتمتع في هذا الانجراف بالشراع والدفة أي نملك ميزان التمييز المنوط بفرز الأفكار والوقوف على حقيقتها وهو علم المنطق الذي يمكن العقل بقواعده على كشف زيف الفكر والخلط بين الحق والباطل .

فالإنسان مؤثر ومتأثر داخل المجتمع، فمن الواجب عليه أن ينظر فيما يتركه في غيره من أثر وما ينطبع في نفسه من تأثيرات الآخرين ، فإن ذلك الأثر المتدافع قد يحصد صاحبه أثره عبر الأجيال من خلال الخالق المحاسب له ، فليحرص إذن على طيب أثره فإن تحصيل نتائجه مصيبة لا محالة .

الفعل والقول الحسن شمعة منيرة في طريق مظلم

السلوكيات والأفكار الخاطئة موجة ظلام بحاجة لشموع الأفعال والأفكار السليمة لتدفعها بنور الحقيقة ، فلا يصح أو يحق لمن يجد فكرة فاسدة أو سلوك قبيح فيسكت عنه فإنه ها هنا قد خذل الحق ونصر الباطل ، ولا يعقل أن يقف الإنسان في صف الباطل وهو يعلم يقينًا أنه فاسد و مغلوبًا لا محالة ، فلينظر في دوره وواجبه تجاه الحق وليقدم ما يملك وفق سعته وقدرته.
فلعل كلمة طيبة تترك أثرًا طيبًا يتدافع بين الأجيال فيصبح سيف ودرع في جيش الحق .

اقرأ أيضاً:

“الإنسان” ذلك الكائن الأخلاقي

ظاهرة التأثير والتأثر في الفكر الإنساني

هارمونيا الأنا والذات والآخر في سياق التنوع

محمد سيد

عضو بفريق بالعقل نبدأ أسيوط

مقالات ذات صلة