إصداراتمقالات

ضجيج الهوى وصمت العقل

ضجيج متعالى يبدو بلا مصدر وأصوات صراخ تحيط بنا من كل جانب لتطغى على صوت أفكارنا ذاته وأيادى تتجاذبنا من كل جانب مع اصابع اتهام موجهة لنا باستمرار بالخذلان أو العته لصمتنا الذى يبدو لهم بلا مبرر فى صراع لا نجد معه سوى أن نصرخ بأعلى ما نستطيع فى محاولة بلهاء للتخلص من تلك الفوضى التى تبدو بلا نهاية دون أن نلحظ أننا بلا وعى قد أصبحنا جزءاً أصيلاً من المشكلة وعائق جديد أمام الحل الذى قد يبدو لوهلة من فرط بساطته ساذجاً وهو أن نسكن قليلاً لنتدبر فى أمورنا وننظر بعين الموضوعية لما قد فات لنتخذ ما يتناسب مع كل ما هو آت بعيداً عن الإنجراف وراء أى ضغوطات من رغباتنا وأهوائنا أو ممن حولنا.

فمع تشابك الموقف السياسى وسط منظومة فكرية مغيبة بين خصمان اختصما حول المنفعة دون امتلاك أى فضل يتيح لأى منهما قيادة سفينة الوطن الموشكة على الغرق نجد كلاً منهما مع الافتقار لأدوات ملائمة للنهوض بما تبقى من بلد يتهاوى ولملة أشلاء كرامته التى بُعثرت على يد سابقيه يتسابق لإبراز -لا قدراته وأحقيته على القيادة- مدى فشل الآخر وإلتواء اساليبه مستخدماً فى ذلك أحياناً نفس تلك الأساليب التى ينتقدها فى منافسيه لتتحول الساحة السياسية إلى ما يشبه معركة بين شمطاوات الحارات يغلب (الردح) فيها على ما سواه من لغة العقل والمنطق.

ووسط كل تلك الفوضى والعبث نجد أنفسنا مدفوعين للدخول فى ذلك المعترك الموحل مع صعوبة -تكاد تصل لدرجة الإستحالة- ألا تلطخنا قذارته أو تشوش رؤيتنا وتعمى أبصارنا عن الحقائق الواضحة للعيان درءاً لاتهامات بلهاء بالسلبية والجُبن فى استحضار للخيار الأسهل برغم مما يبدو عليه من صعوبة بما فيه من انسياق وراء الغالبية وهروب مُستتر من تلك الاتهامات الساذجة ناهيك عن الشعور بالإنخراط فى الحدث فى محاولة يائسة لإقناع أنفسنا بأننا لم نتهاون برغم مما فى ذلك من تهاون عظيم فى حق أنفسنا وقضايانا التى نحارب من أجلها.

وها نحن ذا بعد ما يزيد عن العامين مازلنا نقف فى أماكننا بعد صريخ ودماء وجهود كلها ضاعت هباءاً بل ربما تراجعنا خطوات عدة مع ما نحصده مما زرعته أيدينا من يأس واحباط صاحب كل خطوة عبثية خطوناها وكل فعل أحمق بلا عنوان وكل فكرة ساذجة بلا رؤية تخرجها من الظلمات إلى النور وخاصة مع حالة الإنكار التى تنتابنا من تغافل عن الأسباب الحقيقة لما نلاقيه الآن من فتور شعبى تجاه ما نرفعه من شعارات وما نتخذه من أساليب لنستمر فى تلك الدائرة المفرغة من تجاهل حقيقة إنحرافنا البالغ والمؤسف عن درب الحق حتى أصبحنا أشبه بأشباح لأناس خرجوا لا يبغون عن الحق حولاً أو نسخ مشوهة من أنفسنا التى أُنهكت فى صراعات كثيرة لا ناقة لنا فيها ولا جمل لتستهلك ما تبقى من طاقاتنا المهدرة دون أى تقدم حقيقى أو بصيص ضوء لنهاية ذلك النفق المظلم من الضياع والتيه.

لننتقل بالصراع إلى مرحلة جديدة من شطط فى إلقاء اللوم على الغير لكل فشل وقعنا أسرى له ليستمر نهجنا فى التعالى على واقعنا بدلاً من وضع أيدينا على مصدر ذلك الفشل فى محاولة عاقلة لتصحيح المسار بدءاً من جهاد للنفس يبدأ بالصمت قليلاً وتأمل حالنا الآن بعيداً عن محاولات الهروب المستمرة من حقيقة ما انتزعته السياسة من أرواحنا وما شاب مبادئنا من ضبابية وتناقض فى ظل اصرارنا على الإنطلاق فى رحلة نحو المجهول على درب مشوشة من شعارات جوفاء لا نجد لها صدى حقيقى بداخلنا حتى أننا لا نتردد فى التخلى عنها عند أول منعطف فى ظل سعى حثيث نحو أى مكسب قد يأتى لنا بما نظنه ثمناً بخساً لما ندعيه من تضحيات لم تكن فلو كانت حقاً لما بحثنا لها عن مقابل سوى العدل والحق.

فهنيئاً لمن استطاع وسط تلك الأجواء المشحونة والمشهد المضطرب أن يُنحى هواه جانباً وأن يُعمل عقله فى أناة بحثاً عن الحقيقة دون عجلة من أمره وأن يسلك درب الحقيقة بالاجابة عن السؤال الذى طرحه د. مصطفى محمود يوما “كيف نتوقع منّ الذين ينزلون البحر دون أن يتعلموا السباحة إلا الغرق.. و هذا حالنا الآن .. نحنّ غرقى الجهالة .. حتى إشعار آخر” متحلياً بالحكمة كى يضع إنفعاله فى موضعه مالكاً زمام أموره فتكون تصرفاته تبعاً لما يقتضيه عقله لا لما ينقاد إليه دون أى محاولة للخروج عن خارطة عبثية صاغتها أيادى الغير من ضغوطات وإدعاءات للبطولة فى الصراخ المستمر بلا جدوى ولا شىء غيره ناصبين أنفسهم صوتاً للجموع أو لله محتكرين صكوك الثورة والدين ليحبط الله أعمالهم وليجد الذين صبروا ما عقلوه فعملوا به حاضراً ولو بعد حين.

اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى