رياضة - مقالاتمقالات

راموس ومحمد صلاح – عقدة النقص والتحايل على المنطق – هل هي مؤامرة ؟

محمد صلاح وراموس

دراسات عديدة تحدثت عن الأسباب التي تجعل إنساناً يتجسس على بلده لصالح بلد أخرى، لعل السبب الأكثر استفزازاً على الأقل بالنسبة لي هو الانبهار بالطرف الأقوى في أي صراع، ولعل هذا السبب هو ما يجعلنا نسمع على امتعاض تلك النخب التي تدعو إلى التطبيع مع إسرائيل لأنها أمر واقع ودولة قوية مدعومة من العالم لا طاقة لنا ولا قدرة على دحضها، والبعض يذهب إلى أبعد من ذلك حيث لا ناقة لنا ولا جمل لكي نذبح حكومتها من الأساس!

ولعل هذا السبب هو ما يجعل مواطناً بسيطاً لا يفهم الحد الأدنى من فقه وتكتيكات كرة القدم إذا سألته من تُشجع سيرُد بذكر الفريق الأكثر حصاداً للبطولات في بلده، وليس معنى ذلك أن جمهور الفريق الأكثر حصاداً من تلك العينة ولكن يمكننا أن نقول جزءاً منهم، ولعل هذا السبب يحكم الكثير والكثير من الظواهر الحياتية التي نمر بها.

ما علاقة هذ الأمر بعنوان المقال؟

تدافعت هذه الخواطر في ذهني بعد نهائي أوروبا الكروي بين ريال مدريد وليفربول المصري صلاح ! المصريون على مواقع التواصل الاجتماعي مقهورون غاضبون يتساءلون راموس هذا من يكون؟

والبعض من فرط المبالغة ذهب بكون راموس صهيونياً ينفذ مخططاً غربياً لكسر صلاح العربي المسلم، في هذا الجو لم يخفِ المصريون المشجعون لريال مدريد فرحتهم بتتويج فريقهم متجاهلين قهر وغضب من كان يشجع ليفربول فقط من أجل صلاح، مواليد حواري أسبانيا -كما سخر منهم البعض- لم يكتفوا بتجاهل آلام صلاح بل سخروا من هؤلاء المبالغين المتحاكين عن المؤامرة الراموسية المستشهدين بنجمة داوود المرسومة على كتف اللاعب في مناسبة سابقة، أنصار الفريق المدريدي لم يرُقْ لهم مبالغات بني وطنهم في مشاعرهم الغاضبة وردود أفعالهم اللاعنة وإيمانهم بالله الذي تمحور حول هدف واحد وهو صب اللعنة على راموس،

هؤلاء المدريديون مقتنعون بعدم وجود مخططات سياسية تهدف للقضاء على صلاح العربي المسلم، هو أقل من ذلك، بل العرب والمسلمون جميعاً أقل من ذلك، من نحن وما فائدتنا في الوجود لكي تُحاك ضدنا المؤامرات؟ نحن بلا قيمة، نحن العشوائيون المتأخرون في كل شيء، وهم المتقدمون المتحضرون، أيعقل أن يشغلوا عقلهم بتافهين مثلنا؟ هم العالم الأول ونحن الثالث، هذا ما قرأته واستنتجته من منشورات أصدقائي الهاتفين “هلا مدريد”.

أهي مؤامرة ينفذها راموس ؟

لم أكن من القائلين بوجود مؤامرة على صلاح ، ولكني لم أستبعد ذلك، لمَ لا وأذى راموس واضح وضوح الشمس، تدخل عنيف تُحرّمه ألعاب المصارعة، ولاعب عربي مسلم اخترق المجتمع الإنجليزي وغزى أفكاره وأسر قلبه، كم مشجع إنجليزي أعلنها صراحة ولو بمزاح؟، “إذا سجّل صلاح سأعتنق الإسلام”، حتى أصبحت هذه الجملة هتافاً وجزءاً من أغنية غنى بها الإنجليز للعربي المسلم الذي قدّم قدوة أخلاقية ورياضية مثالية جعلت الجميع يُحبه وجعلت الأطفال يقلدونه بالسجود احتفالاً، لم لا تكون هناك جهة ما أرادت أن يُصاب اللاعب إصابة قوية تبعده لفترة طويلة حتى ينطفئ نجمه الساطع ويُحرم من الكرة الذهبية؟

ألا يوجد صراع حضارات في العالم؟ ألا توجد أيديولوجيات مختلفة؟ ألا نمتلك عقولاً وموارد اقتصادية؟ ألا نمتلك نحن العرب هوية ودين وثقافة وعادات ومشتركات جغرافية وتاريخية وفكرية تجعل منّا حضارة قوية إذا فكّرنا أن نبني حضارة، تجعل منّا حضارة معادية لحضارة الغرب المادية العنصرية الاستغلالية؟ ألا توجد حكومات غربية تكرهنا وتمص مواردنا بشكل أو بآخر؟

حكومات تتمنى لنا الشر، تتمنى لنا أن نكون خاملين تافهين بلا فكر وبلا هوية حتى يسهل لها أخذ ما تريده من ثرواتنا، حكومات تريد لنا أن نكون بلا حضارة حتى تحلق حضارتها في سماء الكوكب، حكومات تبذل مجهود جباراً لكي تغزو أفكارنا ولكي نسير على نمطها وأسلوبها في الحياة، حكومات تُسّخر كل شيء من أجل السيطرة على عقولنا، ثم يأتي صلاح هذا ويحاول فرض هويته العربية المسلمة على شعوبها، أعتقد أنه أمر مزعج لها، ومن أجل تلك الدواعي السياسية لم أستبعد سيناريو المؤامرة الذي طرحه المتعصبون لصلاح، وإن كنت لم أرجحه بشكل يقيني كما فعلوا، يبقى الأمر ظناً ويبقى احتمال أن راموس ضربه فقط من أجل أن يخسر ليفربول اللاعب الأهم له في المباراة احتمالاً قائماً.

تشجيع ريال مدريد أم تعاطف مع إصابة صلاح ؟

ما أحزنني ردود أفعال العرب المدريديين وسخريتهم من الحزانى على صلاح ، لماذا انتماؤهم لريال مدريد أقرب إليهم من انتمائهم لهذا اللاعب الذي يشبههم في كل شيء تقريباً؟ لماذا كل هذا التعصب والانتماء لفريق ليس من بلادنا؟

إلى متى سنستمر بالانبهار بكل ما هو غربي ونُفضّله على منتجنا الوطني؟

إلى متى ستستمر الدونية وعقدة النقص تجاه الغرب؟ إلى متى سيستمر التمسح بهم وحساب أنفسنا عليهم؟

متى سنصحو من غفلتنا هذه ونطّلع على موازين السياسة والفلسفة لنكتشف أن حكوماتهم عدوة لنا تكرهنا بل وتحتقرنا؟

متى سنعيد حضارتنا ونهضتنا الفكرية والعلمية؟ متى سنحترم أنفسنا؟

رؤية نصف الحقيقة لا يعطي حكم صحيح

محب لصلاح نشر صورة لكتف راموس مرسوماً عليه نجمة داوود ويتهمه بالانتماء للصهيونية، لي صديق أخذ هذا المنشور “سكرين شوت” ونشره مع تعليق ليعطي درساً لمحب صلاح في الفارق بين الديانة اليهودية والفكر الصهيوني وأن راموس رسم نجمة داوود على كتفه من أجل زميله اللاعب اليهودي المتوفي وأن راموس مسيحي وليس يهودياً أصلاً ثم وصلة من السخرية والسب في العقلية العربية.
صديقي مُحق في تفسيره لرسمة راموس ولكنه يقول نصف الحقيقة لكي يصل لنتيجة مختلفة عمّا لو كان قد قال الحقيقة كلها ورأى الصورة كاملة، هكذا يتم صياغة المغالطات المنطقية!

أردت أن أوضح له خطأه فعلّقت عنده بنشر رابط لمنشور قديم كتبه المتحدث باسم جيش الحرب الإسرائيلي المدعو أفيخاي أدرعي ينشر فيه صورة للاعب راموس يحمل طفلاً صغيراً وقد سماه أبوه الظابط في جيش الحرب الإسرائيلي راموس على اسم اللاعب الأسباني ثم مات الأب على يد المقاومة الفلسطينية ليظهر لنا راموس اللاعب متعاطفاً ومؤيداً لدولة الاحتلال ولجيشها وحاملاً مستقبلها الرضيع على يده.
يجب أن تذكر كل التفاصيل وتُحيط بها لكي تصل للحكم السليم، إذا ركّزت على تفاصيل وتناسيت الأخرى فستصل لحكم خاطئ كما فعل صديقي عن عمد أو دون قصد.

برر صديقي فعل راموس قائلاً “أن راموس ليس المقاومة” فقلت “ليس مطلوب منه أن يكون المقاومة ولكن مطلوب منه أن يكون إنساناً حرّاً شريفاً، لا يوجد أوضح من القضية الفلسطينية ومن يعترف بالكيان الصهيوني فهو ليس إنساناً”

العقلية الإنهزامية

دافع صديقي المدريدي عن عدم وجود مؤامرة مستشهداً بأن زيدان وبنزيمة مسلمون وأن راموس زامل في مدريد الكثير من اللاعبين المسلمين ولعب ضد الكثير من اللاعبين المسلمين ولم يؤذِهم
نفس الأسلوب استخدمه صديقي مرة أخرى، جزء من التفاصيل دون الأخرى.
ومَن مِن هؤلاء كان يروج للعروبة والإسلام؟ لم يروج منهم أحد، ولكن محمد صلاح يروج -بقصد أو بدون قصد- ليصل صديقي بردّه إلى أن “مثل هذه الإصابات تحدث في ملاعب كرة القدم بشكل اعتيادي ومتكرر”.
فاستسلِم للأمر الواقع، استسلم للمشهور، للمفروض، وحاول أن تتأقلم معه وتتكيف ولا تحاول الاعتراض حتى لا تشعر بالإرهاق
هذه العقلية الانهزامية للأسف منتشرة بيننا، من أجل راحة زائفة مؤقتة تحرم نفسها من العزة والكرامة ومحاولات الحياة السليمة وتبنّي المبادئ الصحيحة وقول “لا” في وجه الخطأ، تحرم نفسها من الحماس والحب والشغف والمقاومة، تحرم نفسها من إنسانيتها.

هناك أمور أحق بالاهتمام

أريد أن أختم المقال بالحديث عن رد الفعل المتعاطف مع صلاح ، لا شك في أن الأمر مؤلم وليس عادلاً، ولكن الكثير بالغ فيه بشدة، وظل الأمر عالقاً في ذهنه ومستحوذاً عليه بالكامل لفترة طويلة، هناك أمور أحق بالمبالغة يا عزيزي وأحق بأن تُعلَق في ذهنك، يكفي أن أقول لك أنه في وقت المباراة كان الطيران الإسرائيلي يقذف غزة، الحياة حولك مليئة بنماذج أكثر قسوة في الظلم، الحياة حولك تستحق أن تُعاش بفهم وعلم، وشغفك يستحق منك أن توجهه ناحية الحق، ومجهودك يستحق منك أن تبذله في الخير، وعمرك الذي ستُحاسب عليه يستحق منك أن تفنيه فيما هو قيّم.

أقرأ أيضًا :
أنا لا أتذكر فلسطين ! – ما مدى أهمية القضية الفلسطينية حتى أتذكرها ؟

كيف تقضي على القضية الفلسطينية ؟ – ولماذا نرغب في إزالة دولة إسرائيل ؟

“فلسطين حرة.. ستبقى قضيةً حية”

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق