إصداراتمقالات

صراع الدولة والقيم

يعتبر مفهوم الدولة من المفاهيم التي يصعب إعطائها تعريفا في عالم الفكر السياسي، ذلك يرجع بالأساس لنظرة فلاسفة الفكر السياسي نحو السياسة نفسها والغاية منها فنحن مثلا حين نتأمل أفلاطون نجده يتحدث عن العدالة كفضيلة أسمى وهي غاية السياسة الأولى كذلك كان الفارابي وعبد الرحمن الكواكبي الذي قال بأن ” السياسة هي تدبير شئون المجتمع بمقتضى الحكمة ” وغيرهم كثيرا من الفلاسفة الذين كانوا يعتقدون بأخلاقية السياسة وضرورة استعمال الأخلاق في السياسة حتى جاء مكيافيلى.

مكيافيلى أعلنها صريحة وكان جريئا في طرحه في كتابه المشهور الأمير الذي يقال بأن هتلر كان يقرأ هذا الكتاب يوميا تقريبا، فكتب في كتابه جملته التي تلخص مذهبه السياسي “السياسة لا علاقة لها بالأخلاق.” ليفتح بذلك الباب أمام البراجماتية قبل أن يأتي ويليام جيمس ويأصل لفكرة البراجماتية ” أو الأخلاق العملية ” وهي الفكرة القائلة بأن الأفكار صحيحة ما دامت ناجحة عمليا ماديا، فكما قال مكيافيلى إذا كان من مصلحة الحاكم أن يحترم وعوده فيفعل وإن لم يكن من مصلحته ذلك لتذهب الوعود إلى الجحيم على حد قوله.

بعد ذلك يأتي الدور على نيتشه صاحب الفلسفة المتعطشة للدماء فهو كان يقول أن يجب ” إعادة تقييم القيم ” وإعادة تقييم الأخلاق وانتهى إلى أن الإنسان الخير هو الإنسان القوي الذي يفرض إرادته بالقوة المطلقة، فكان هدف نيتشه ليس تأسيس الإنسان الفاضل العفيف كما كان يريد أفلاطون والفلاسفة القدماء وإنما كان يهدف إلى خلق السوبر مان وهذا السوبر مان عنده لا يمكن إيجاده إلا إذا كان هناك سوبر أمة فالإنسان الفاضل ” عند نيتشه طبعا ” هو الإنسان القوي الذي يخضع كل من حوله لرغبته بالقوة كذلك السوبر أمة تخضع كل الأمم لمصلحتها ورغبتها بالقوة، وعن طريق تجميع هذه الأطروحات سويا تشكل الفكر السياسي الغربي الحديث النفعي البرجماتي المحض الذي لا يرى في السياسة إلا الدجل حتى عرف أحد المفكرين السياسة على أنها ” فن إقناع الناس في عدم التدخل فيما يعنيهم ” وإذا ما تمت المقارنة فيما بين الأطروحات الراغبة في العدالة والقيم إلى هذا الطرح النفعي الصلب سيكون من السهل لحاظ الفوارق الجسيمة بين الطرحين وإن الرغبة في اختيار أحد الطرحين يجب أن يمر من خلال سؤال مهم جدا، باختصار ما هي الأخلاق؟!

فإذا ما تحصلت على إجابة مفادها أن الأخلاق هي المثل العليا من القيم كالعدالة والحب والخير والحق والجمال كنت بذلك بالتأكيد من أنصار النظرية الأولى، وأما إن كنت ترى الأخلاق في المنفعة والقوة كما رأى نيتشه وستيوارت مل وتوماس هوبس صاحب نظرية المنفعة الخاصة الذي كان يقول ” إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ” فلو كانت هذه إجابتك حول الأخلاق فأنت من أنصار نظرية مكيافيلى بكل تأكيد.

للأسف كان علي أنا أصدع رأسك أيها القارئ العزيز بهذه المقدمة الطويلة نسبيا فأنا لم أتحدث بعد عن موضوعي، قد قلنا كيف ظهرت الأفكار البراجماتية وأفكار حق القوة في المجتمع الغربي على يد مكيافيلى ونيتشه وغيرهم بالطبع من الفلاسفة الأوروبيين وفي ظل بحث المجتمع الغربي عن المنفعة القصوى للدولة ظهر مفهوم مهم جدا في الفلسفة السياسية الغربية وهو ” الدولة المطلقة ” والدولة المطلقة ليست هي دولة الحاكم المستبد أو الحاكم المطلق الذي يحكم بالقوة ولا يسأل عن أفعاله، ولكن الدولة المطلقة هو مصطلح يطلق على الدولة التي تكون مصلحتها ووجودها هي المرجعية الأخلاقية ذاتها، فمثلا لو تحدثنا عن النازية الألمانية التي تأثرت كثيرا بأفكار نيتشه بالمناسبة، فكانت النازية لو غزت دولة مثلا وأخضعت سكانها وقتلتهم وشردتهم يظل ذلك في منتهى الأخلاقية لأن هذا الفعل هو من مصلحة السوبر دولة أو السوبر أمة التي كان يبحث عنها نيتشه في كتاباته، وهذا المفهوم مازال مستمرا وإن كان وحشية النازية لم تعد موجودة إلا أن مصطلح ” الدولة المطلقة ” مازال يرفرف عاليا في سماء الفكر السياسي الغربي بل والعالمي.

فمصلحة الدول أصبحت هي المعيار الأول والوحيد تقريبا لكل أفعال الدولة، بالتالي نشأ هذا الصراع بين الدولة والقيم وإن تاريخ الثورات الحديثة كلها يشهد بمطالبة الجماهير بترسيخ القيم الأخلاقية فوق سلطة الدولة، هذا الصراع الذي يبدو أنه لن يحسم قريبا في تاريخ الفكر السياسي هو صراع جوهري في الفكر السياسي الحديث فنحن اليوم نعيش الحالة الأكبر من الانتهازية والنفعية المادية والحالة الأقوى من تسلط الدول على المحكومين، أصبحت الدول بما تشكله من نظام عالمي هو نظام فوق البشر وفوق إرادتهم، أصبحت الدولة اليوم هي أكبر عدو للإنسان بدلا من أن تكون عونا له وطريقا في تحقيق كماله المعنوي الفكري والمادي الاستهلاكي.

 إن استدعاء القيم من جديد أصبح ضرورة لا مناص منها، فكل محاولات الفكر الغربي في التملص من القيم الأخلاقية يبدو أنها قد انقلبت عليه في الأخير، ومن يتابع التطور السياسي العالمي يستطيع أن يرى أننا على وشك تقديم نموذج جديد لفهم هذا العالم على المستوى الفلسفي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي وبالتأكيد السياسي على وجه الخصوص، وبالتالي هذا التغيير القادم يجب أن يسعى العقلاء إلى جعله طرحا أكثر أخلاقية وإلا زاد الحال سوءا، إن الأخلاق يا مكيافيلى هي أصل السياسة وبدون هذا المفهوم يستحيل أن تفهم نضال ملايين البشر نحو السعي نحو عالم أفضل، فلو كانت الأخلاق ليس لها علاقة بالسياسة فدعونا ندفن رؤوسنا في التراب ولا نتعب أنفسنا في البحث عن المجتمع الأفضل لأنه ببساطه في هذه الحالة لا يمكن أن يوجد.

اظهر المزيد

أحمد رمضان

طالب بكلية الهندسة – جامعة المنصورة
كاتب حر
باحث ومحاضر بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالمنصورة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى