رياضة - مقالاتمقالات

شيكابالا الذي لم تحبه الرأسمالية

لأنَّهُ جميل، ولأنَّ الرأسمالية والقُبحِ وجهانِ لعملةٍ واحدة؛ لم ترضَ عنهُ الرأسمالية يوماً، بل أنَّها تفننت في محاولاتِ إخضاعِهِ لها بالترغيبِ تارةً وبالترهيبِ تارةً أخرى، إلَّا أنُّهُ ظلَّ متمسّكًا بما يعتقِد، فظلَّ جميلاً، وظلُّوا قِباح.

حتَّى سبعينيات القرن الماضي كانَت كرة القدم تؤتي ثمارها على أكمَلِ وجه كعادةِ كل الاختراعات التي بدأت بداعي بحث الإنسان الفطري عن المتعة والجمال في شتَّى دروبِ الحياة، فما فعلته أيسلندا في كأس العالم لهذا العام كحالةٍ استثنائيةٍ، استقبلها الجميع بالدهشة كان افتراضياً فيما مضى، فلم يكن هناك مفهوم اللاعب الموظَّف الذي يتكسَّب من كرة القدم ما يجعله غنيًا أو حتى مواطنًا من الطبقة المتوسطة، ففي كأس العالم الأول عام 1930 كانَ لاعبو المنتخب الإنجليزي لكرة القدم يتقاضون ثمانية جنيهات إسترلينية في الشَّهر فقط، وهو ما يعادل 1600 جنيهًا إسترلينيًا في الوقت الحالي أي أنَّهُ الحد الأدنى للأجور، أما لاعبو المنتخب الروماني فقد كانوا يعملون في وظائِف رئيسية بخلاف كرة القدم، وظلَّت كرة القدم في مكانتها الطبيعية في حياة الإنسان، لعبة ترفيهية لا أكثر، فما بين “ترقيصةٍ” هنا و “دبل كيك” هناك وجد الناسُ ضالَّتهُم في لعبةٍ تعطيهِم قدرًا من الجمالِ تمامًا كما وجدوهُ في المسرَح والحفلات الموسيقية، جمالًا لا يشوبُهُ غِلٌّ أو غضب.

إلَّا أنَّ عاملاً جديداً أضيفَ إلى المعادلة في عام 1962 وهو إطلاق القمر الصناعي (تيلستر) مما أدى إلى زيادة كثافة مشاهدة المباريات وهو ما جعلَ من منافسات كرة القدم مساحات إعلانيةً مهمة يستطيع من خلالِها أصحابَ رؤوسِ الأموال الإعلان عن منتجاتهم، وهو ما حدثَ لآوَّلِ مرَّة في كأس العالم لعامِ 1970 حينما دفعت شركة أديداس أموالاً من أجل أن تصنعَ هي كرة القدم التي ستلعب بها المباريات على سبيلِ الدعاية لمنتجاتها الأخرى، وهنا بدأَ كل شيءٍ في الانهيار.

يعمل ثلث موظفي الولايات المتحدة الأمريكية في مجالاتٍ متعلِّقةٍ بالتسويق، فلكي تزدادَ أرباحُكَ عليكَ أن تعلن عن منتجك، فحتى ولو لم يكن منتجٌ ذا أهمية، فليس هناكَ مشكلة، اخلِق حاجةً له لدى الناس، صوِّر لهم أنَّهُم لن يكونوا سعداء بدون شراء هاتفٍ جديدٍ كل عام، أو سيارةٍ تركِنُ بمفردها، وأنَّ دجاج كنتاكي هو الأفضل على الإطلاق.

ولكن كي يباع منتجك بشكل أكبر، عليكَ أن تجبرهم على متابعة الساحة التي تضع فيها إعلاناتك، أثِر حماسَتهم تجاه أنديتهم، اختلق صراعات وهمية بين ناديين أو ثلاثة أو أربع، حينها سيشاهِد الجميع مبارياتك بدافع الغضب الذي سيطغى على حب الإنسان الفطري للجمال، فباتَ الجمالُ هامشياً لدى الجماهير، فما فائدة “اللعب الحلو” إذا كنا سنخسر المباراة؟ لا داعِي لامتلاك الكثير من اللاعبين ذوي المهارات، اللياقة البدنية هي الأهم، فكلما ركضت أكثر كلما غطيت مساحات أكبر من الملعب وحينها سترجح كفة فريقنا، اللاعبون المهاريون مزاجيون دائِماً، واحد فقط يكفي، لكنه لا يحب الدفاع، حسناً أسكنه دكة البدلاء.

فلأنَّه يحب الجمال ويكره الغضب، يُحِب “الترقيص” ويكره الركض عديم الفائِدة خلف الكرة كي يدَّخِر جهده للمرور بين دفاعات الخصم، لم تحبه الرأسمالية ، ولم تعطِه حقَّه، بل ولم تعطِهِ فرصةً كي يمتع الناس ويشبع شغفهم للقطةٍ جميلة أثناءَ المباراة.

حينما وصل الغضب ذروته في شباط/ فبراير 2012 وقادت القنوات الرياضية الباحثة عن المال عن طريق زيادة عدد المشاهدات جماهير النادي المصري لقتل اثنين وسبعين فردًا من جماهير النادي الأهلي، كانَ شيكابالا أوَّلَ الحاضرين في العزاء “يا كابتن إحنا أصحاب، ولو ماكناش أصحاب ماكانش المنتخب خد بطولات، لازم الناس تفهم كده”.

“لو اللي في دماغي صح يا كابتن مجدي ماحدش يزعل”، قالها شيكا منزعجاً حينما شعر بأنَّهُ يستخدم في أحد برامج المقالب، عادةً ما يتجاهُلُ الضيوف تلك الإشارات طمعًا في الأموال الطائِلة التي سيجنوها إذا ما تمَّ المقلب على خير، أمَّا هُوَ فقيمة المالِ تتضاءل عندَه أمام قيم الكرامة، وهو ما لا يناسب أصحاب الرأسمالية ، فهم لا يريدون سوى مهرجين يزيدون من حجم مشاهدات البرنامج، كي يزداد حجم الإعلانات، فتزداد المبيعات .. وهذا هو فكر رجال الرأسمالية !

هكذا سارَت حياة شيكابالا الكروية، لاعِبٌ ينتمي إلى ثلاثينياتِ القرنِ الماضي، يفعل ما يراهُ مناسبًا مهما كانَت العواقب، لا يحب المال، فلم يحبه المال، ربما لم يجنِ أموالاً كثيرةً كأقرانِهِ من اللاعبين “الملتزمين تكيتيكيًا حسبَ تعليمات الخواجة”، ولكنَّهُ عاشَ حياتَهُ واستمتعَ بها مُضحيًا باللَّذات المؤقتة من أجل السعادة الدائمة.

اقرأ أيضا:
صناعة الدواء بين الاحتكار والعدل … أحق الحياة مكفول للجميع؟
الحرية الشخصية بين التحرر والاستعباد.. ماذا يعني أن أكون حراً ؟
 مبحث القيم في الفلسفة وإشكالاته – كيف ينظر المنهج التجريبي المادي للأخلاق ؟

اظهر المزيد

عبد الله عامر

مهندس

باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالمنصورة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى