مقالاتفن وأدب - مقالات

شريط السينما وثيقة تاريخية

لا يدرك الكثيرون أن شريط السينما ليس مجرد عمل فني يُقدم للتسلية والترفيه، وإنما وثيقة تاريخية تعيش أبد الدهر تنتقل من جيل إلى جيل حاملة أفكارا وأحاسيس وقضايا، تأثر بها وعاشها كل من شاهد هذا الشريط ويمتد الأثر طالما بقي الشريط موجودا ومعروضا للجمهور، وهو ما يجعل التعامل مع شريط السينما ومحتواه أمرا خطيرا وهاما إذا ما أحسنا الاختيار.

ذكريات يُحيها شريط السينما

في البداية نجد أن شريط السينما شاهد على تطور مجتمع وناقل لأحداث وذكريات وتفاصيل قد تكون اختفت من الواقع وبقيت على شريط السينما، فلا يعرف الكثيرون أن تمثال نهضة مصر كان مكانه في البداية ميدان محطة مصر (باب الحديد) قبل أن يتم نقله بقرار من جمال عبد الناصر ليقف أمام جامعة القاهرة عام 1955 معبرا على أن نهضة مصر بالعلم،

لكن شريط السينما هو الذي وثق وجود التمثال في ميدان باب الحديد وقتها، وذلك من خلال فيلم “قلبي دليلي” في المشاهد الأولى، وأثناء مطاردة رجال البوليس للعصابة يظهر التمثال وسط الميدان، كما يظهر السور الحديدي الذي يطوق المحطة وهو سبب إطلاق اسم باب الحديد على محطة مصر، والذي ظهر أيضا في فيلم يحمل نفس الاسم “باب الحديد”، عندما يكون الحديث عن تفاصيل ثورة 19 وكفاح الشعب المصري ضد الاحتلال، لا نجد سوى مشاهد من فيلم “بين القصرين” نعرضها لتوثيق هذا الحدث.

أفلام أخرى مثل “لصوص لكن ظرفاء، زقاق المدق، الوسادة الخالية، وغيرها” شاهدة على أماكن وشوارع في القاهرة “مصر الجديدة، جاردن ستي، ميدان التحرير” اختفت أو تطورت، وتفاصيل كثيرة مثل وسائل المواصلات ولبس وطريقة حياة الناس في هذا الوقت، كل هذا تم توثيقه من خلال شريط السينما ليكون شاهدا على العصر والعصور الماضية كلها، كل هذا ومحتوى شريط السينما قد يكون فيلما كوميديا أو غنائيا أو تراجيديا.

نماذج مزيفة

ما بالنا لو كان المحتوى تاريخيا، في مجتمع يستقي معلوماته من السينما والتليفزيون، مجتمع أغلبه للأسف غير قارئ وينتظر المعلومة أن تأتي له من خلال عمل فني يحمل وجهة نظر صُناعه، وهو ما حدث في أعمال كثيرة تم استخدامها لتزييف تاريخ وتصدير معلومات غير حقيقية وإنكار معلومات حقيقية، ولا زال هذا الأمر يحدث حتى الآن،

لم يحدث أن حكم مصر ملك اسمه محمود ولم يقف صلاح الدين أمام ملوك أوروبا يقول “الدين لله والوطن للجميع”، وهي كلمة مستحدثة لم يعرفها العرب في هذا الوقت، وعيسى العوام المسلم والذي مات غريقا في إحدى المعارك، وفيلم “الله معنا” والذي دارت أحداثه حول الأسلحة الفاسدة والتي تسببت في الهزيمة في حرب فلسطين وثبت بعد ذلك كذب هذه المعلومة، كما أنه تم رفع الفيلم من دور العرض لحذف مشاهد محمد نجيب ثم إعادة عرضه للجمهور مرة أخرى، ولم تكن رابعة العدوية عاهرة كما جاء في الفيلم، هذه مجرد نماذج لما قام به شريط السينما من تزييف تاريخ وأحداث عن عمد من صُناعه أو من وجههم.

لا حرية في إنكار الحقيقة أو تزيفها

بعض صُناع السينما يرى أن من حقه تقديم كل ما يريد، حتى وإن خالف التاريخ والأحداث المُسجلة بالفعل بحجة أن الدراما قد تتطلب ذلك، وهو يدرك أو لا يدرك خطورة ما يقوم به من صناعة تاريخ غير حقيقي، تحفظه وتردده الأجيال الجديدة عن جهل وعدم وعي، له مطلق الحرية في التفاصيل ودراما الحدث، لكن ليس له حرية في إنكار الحدث أو تغييره لأنه حدث بالفعل من زمن وله تبعات أثرت في التاريخ على مر العصور.

خطأ كبير وقع فيه بعض صُناع الدراما والجمهور وحتى الأجهزة الرقايبة، اهتمت بمنع وحذف ما يسمونه مشاهد ساخنة، رغم أن تأثيرها أقل خطورة من تأثير أفكار هدامة أو تاريخ غير حقيقي يتم تقديمهم في إطار أخلاقي ومُحافظ حتى يتم تمريره.

شريط السينما وثيقة تاريخية أحسنوا محتواه.

اقرأ أيضاً:

هل روجت سينما الانفتاح لقيم النفعية والمادية؟

السينما قوة لا يستهان بها

السينما العالمية والشرق

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة