قضايا شبابية - مقالاتمقالات

سلسلة المهارات الحياتية الواجب تعليمها للطلاب – الجزء الأول

مهارات التفكير الناقد وأساليب تنميتها

أولا: ماهية التفكير الناقد:       

التفكير سمة من السمات التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى، وهو مفهوم تعددت أبعاده واختلفت حوله الآراء مما يعكس تعقد العقل البشري وتشعب عملياته، ويتم التفكير من خلال سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير يتم استقباله من خلال واحدة أو أكثر من الحواس الخمس المعروفة.

ويتضمن التفكير البحث عن معنى، ويتطلب التوصل إليه تأملا وإمعان النظر في مكونات الموقف أو الخبرة التي يمر بها الفرد.

ومن خلال التفكير يتعامل الإنسان مع الأشياء التي تحيط به في بيئته، كما أنه في الوقت ذاته يعالج المواقف التي تواجهه بدون إجراء فعل ظاهري، فالتفكير سلوك يستخدم الأفكار والتمثيلات الرمزية للأشياء والأحداث غير الحاضرة، أي التي يمكن تذكرها أو تصورها أو تخيلها.

ويستخدم الإنسان عملية التفكير عندما يواجه سؤالا أو يشعر بوجود مشكلة تصادفه. والعلاقة بين التفكير والمشكلة متداخله حيث أنهما وجهان لعملة واحدة، فالتفكير لا يحدث إلا إذا كانت توجد مشكلة يشعر بها الفرد وتؤثر فيه وتحتاج إلى تقديم حل لها لاستكمال النقص أو إزالة التعارض والتناقض، مما يؤدي في النهاية إلى غلق ما هو ناقص في الموقف وحل أو تسوية المشكلة.

التفكير فريضة

والتفكير فريضة أرسى أسسها الإسلام ورسخ مهاراتها في عقول أبنائه، فليس هناك دين أعطى العقل والتفكير مساحة كبيرة من الاهتمام مثل الدين الإسلامي، وعندما يخاطب القرآن الكريم الإنسان المسلم فإنه يركز على عقله ووعيه وتفكيره، ولأهمية التفكير للإنسان المسلم وردت كلمة تفكير أو مرادفاتها (يتفكرون – يبصرون – يعقلون – يتذكرون.. إلخ) مرات عديدة في القرآن الكريم.

ولقد حث القرآن الكريم الناس على التفكر في ملكوت الله، وجعل التفكر من السمات المميزة لأصحاب العقول الراجحة، ووصفهم بأنهم دائما (يتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) (آل عمران)، آية (١٩١).

ويعد التفكير من أبرز الصفات التي تسمو ببني البشر عن غيرهم من مخلوقات الله، وهو من الحاجات المهمة التي لا تستقيم حياته بدونها، ولا يتخلى عنه إلا في حالة غياب الذهن، والإنسان يحتاج إلى التفكير في جميع  مراحل عمره لتدبير شؤون حياته.

ويُعد التفكير الناقد من الموضوعات المهمة والحيوية التي انشغلت بها التربية قديما وحديثا، وذلك لما له من أهمية بالغة من تمكين المتعلمين من مهارات أساسية في عملية التعلم والتعليم، إذ تتجلى جوانب هذه الأهمية في ميل التربويين على اختلاف مواقعهم العلمية على تبني استراتيجيات تعليم وتعلم مهارات التفكير الناقد.

الهدف الأساسي من التفكير الناقد

إن الهدف الأساسي من تعليم وتعلم التفكير الناقد هو تحسين مهارات التفكير لدى الطلبة، والتي تمكنهم بالتالي من النجاح في مختلف جوانب حياتهم، كما أن تشجيع روح التساؤل والبحث والاستفهام، وعدم التسليم بالحقائق دون التحري أو الاستكشاف كل ذلك يؤدي إلى توسيع آفاق الطلبة المعرفية ويدفعهم نحو الانطلاق إلى مجالات علمية أوسع، مما يعمل على ثراء أبنيتهم المعرفية وزيادة التعلم النوعي لديهم، وتزداد أهميته إذا ما اقتنعنا بوجهة النظر القائلة أن التعلم تفكير.

ويُعد تعليم مهارات التفكير الناقد غاية أساسية لمعظم السياسات التربوية لدول العالم وهدفا رئيسيا للعملية التعليمية، وهذا يتطلب إعداد الطلبة ليصبحوا ذوي قدرة كبيرة على التفكير الناقد والقراءة الناقدة والكتابة الناقدة، وذلك لما حققه من نتائج إيجابية ثبت أثرها في حياة الفرد والمجتمع.

والتفكير الناقد يساعد الفرد على حل المشكلات ومعالجتها علاجا سليما في ضوء الشواهد التي تؤيدها الحقائق المتصلة بها من خلال الكفاءة في فحص المقترحات بدلا من القفز إلى النتائج.

ثانيا: المهارات الخاصة بالتفكير الناقد:

بناء على تعريف خبراء دلفي للتفكير الناقد تم تحديد خمس مهارات للتفكير الناقد على النحو الآتي:

  • مهارة التحليل Analysis Skill:

      يقصد بالتحليل تحديد العلاقات ذات الدلالات المقصودة والفعلية بين العبارات والأسئلة والمفاهيم والصفات والصيغ الأخرى للتعبير عن اعتقاد أو حكم أو تجربة أو معلومات أو آراء، وتتضمن مهارة التحليل مهارات فرعية إذ يعد الخبراء أن فحص الآراء واكتشاف الحجج وتحليلها ضمن مهارات التحليل الفرعية.

  • مهارة الاستقراء Induction Skill:

يقصد بهذه المهارة أن صحة النتائج مرتبطة بصدق المقدمات، ومن الأمثلة على هذه المهارة الإثباتات العلمية والتجارب، وتعد الإحصاءات الاستقرائية استقراء حتى لو كان هذا الاستقراء مبنيا على تنبؤ أو احتمال، كما يتضمن الاستقراء الدلالات والأحكام التي يصدرها الشخص بعد الرجوع إلى موقف أو أحداث.

  •  مهارة الاستدلال Inference Skill:

     تشير هذه المهارة إلى ممارسة مجموعة من العمليات التي تعتمد على توليد الحجج والافتراضات والبحث عن أدلة والتوصل إلى نتائج، والتعرف إلى الارتباطات والعلاقات السببية.

  •  مهارة الاستنتاج Deductive Skill:

تشير هذه المهارة إلى تحديد وتوفير العناصر اللازمة لاستخلاص النتائج المنطقية للعلاقات الاستدلالية المقصودة أو الفعلية من بين العبارات أو الصفات أو الأسئلة، أو أي شكل آخر للتعبير. كما يقصد بالاستنتاج القدرة على خلق أو تكوين جدل أو نقاش من خلال خطوات منطقية، ومهارات الاستنتاج الفرعية هي: مهارة فحص الدليل، ومهارة تخمين البدائل، مهارة التوصل إلى استنتاجات.

  •  مهارة التقييم Evaluation Skill:

     إن قياس مصداقية العبارات أو أية تعبيرات أخرى ستصف فهم وإدراك الشخص، حيث ستصف تجربته، ووضعه، وحكمه، واعتقاده، ورأيه، وبالتالي قياس القوة المنطقية للعلاقات الاستدلالية المقصودة أو الفعلية من بين العبارات أو الصفات أو الأسئلة، أو أي شكل آخر للتعبير، وتشمل مهارة التقييم مهارتين فرعيتين هما تقييم الادعاءات وتقييم الحجج.

ثالثا: أهمية مهارات التفكير الناقد:

مهارات التفكير الناقد مهارات يحتاج إليها كل فرد من أفراد المجتمع، ولقد أظهرت معظم الدراسات التجريبية والتي تم من خلالها استخدام برامج وخبرات لتنمية مهارات هذا النوع من التفكير، أن هذه المهارات تعود بالفائدة على المتعلمين من عدة أوجه، حيث وجد أنها:

  • تؤدي إلى فهم أعمق للمحتوى المعرفي المتعلم.
  • تقود المتعلم إلى الاستقلالية في تفكيره وتحرره من التبعية والتمحور حول الذات.
  • تشجع روح التساؤل والبحث وعدم التسليم بالحقائق دون تحر كاف.
  • تجعل من الخبرات المدرسية ذات معنى وتعزز من سعي المتعلم لتطبيقها وممارستها.
  • ترفع من المستوى التحصيلي للمتعلم.
  • تجعل المتعلم أكثر إيجابية وتفاعلا ومشاركة في عملية التعلم.
  • تعزز من قدرة المتعلم على تلمس الحلول لمشكلاته واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.
  • تزيد من ثقة المتعلم في نفسه وترفع من مستوى تقديره لذاته.
  • تتيح للمتعلم فرص النمو والتطور والإبداع.

وباختصار يمكن القول بأن تنمية مهارات التفكير الناقد باتت مهمة وضرورية في عالمنا هذا السريع التغير، لأنها تساعد على المشاركة الفعالة في المجتمع، وتكسب المتعلمين التجارب المختلفة التي تعدهم للتكيف مع مقتضيات الحياة الآنية وتُهيئهم للنجاح في المستقبل، وإذا كان التعليم يهدف إلى إعداد مواطنين لديهم القدرة على اتخاذ القرارات واختيار ما يريدون بناء على حقهم في الاختيار الحر، فإن هذا يستدعي من التربويين الاهتمام بتنمية هذا النوع من التفكير.

رابعا: أساليب تنمية وتعلم مهارات التفكير الناقد:

  • تعليم التفكير الناقد كمادة مستقلة كغيره من المواد وذلك من خلال برامج ومقررات يتم تحديدها على شكل أنشطة وتمارين لا ترتبط بالمواد الدراسية، وقد طورت العديد من البرامج المتخصصة لتنمية مهارات هذا النوع من التفكير، وعادة ما يقوم مدرب متخصص بتدريب الطلبة عليها، ومن مميزات هذه الطريقة أنها تجعل المتعلمين يدركون أهمية الموضوع الذي يدرسونه ويشعرون بالعمليات التفكيرية التي يقومون بها، كما تجعل عملية قياس وتقييم التفكير الناقد أدق.
  • تعليم التفكير الناقد ضمن محتوى المواد الدراسية المختلفة، وهذا يستدعي وجود معلمين مؤهلين ووقت كاف للقيام بالنشاط التفكيري، ومن مميزات هذه الطريقة أنها تنشط العملية التعليمية باستمرار، وتحفز المتعلمين على استخدام عمليات التفكير في مختلف المواد، وتوفر فهما أعمق للمحتوى المعرفي لهذه المواد وقدرة أفضل على استيعابها وتطبيقها.

وقد برزت اتجاهات حديثة حاولت الجمع بين الطريقتين في تعليم التفكير الناقد بهدف الاستفادة من مميزات وإيجابيات كل منهما.

ومن خصائص المناخات الصفية التي تعزز تعليم مهارات التفكير الناقد أنها:

  • تهيئ الفرص للتعامل مع حالات ومواقف من الحياة الحقيقية أو تطرح مواقف واقعية.
  • يكون فيها التعليم متمركزا حول المتعلم، أي أن المتعلم هو محور النشاط.
  • تحفز على التعاون والتفاعل بين المتعلمين والمعلمين.
  • تتيح الفرص للمتعلمين للتعبير عن آرائهم والدفاع عنها واحترام آراء الآخرين.
  • تشجع الاكتشاف والاستقصاء وحب المعرفة وتعزز مسؤولية المتعلم عما يتعلمه.

كما يعد المعلم من أهم عوامل نجاح برامج تعليم التفكير الناقد، حيث أن أي تطبيق لخطة تعليم التفكير إنما يتوقف على نوعية التعليم الذي يمارسه المعلم داخل غرفة الصف.

 ومن أهم الخصائص التي ينبغي أن يتصف بها المعلمون من أجل توفير بيئة صفية مهيئة لنجاح عملية تعليم التفكير وتعلمه ما يلي:

  • الحرص على الاستماع للمتعلمين، وإعطائهم وقت كاف للتأمل والتفكير.
  • تهيئة الفرص لهم للمناقشة والتعبير، وتشجيعهم على التعلم النشط الذي يقوم على توليد الأفكار وذلك من خلال توجيه أسئلة لهم تتعامل مع مهارات التفكير العليا.
  • تقبل آرائهم وتنمية أفكارهم واحترام ما بينهم من فروق ومحاولة تنمية ثقتهم بأنفسهم وتزويدهم بتغذية راجعة مناسبة.

لمزيد من التفاصيل يرجى مراجعة:

– عشوي، مصطفى. (2015): لماذا التفكير الإبداعي والتفكير النقدي معا؟ مؤتمر: “الإبداع والتفكير النقدي في التربية والتعليم“. مملكة البحرين، المنامة، 22-23 ابريل 2015.

– المغيضيب، عبد العزيز عبد القادر (2018): تعليم التفكير الناقد (قراءة في تجربة تربوية معاصرة)، جامعة قطر.

– عبد الحميد، شاكر وأخرون (2005):  تربية التفكير، مقدمه عربية فى مهارات التفكير، الإمارات العربية المتحدة: دار القلم.

– حبيب، مجدي (2013): اتجاهات حديثة في تعليم التفكير (استراتيجيات مستقبلية للألفية الجديدة)، القاهرة، دار الفكر العربي، ص 132 .

– مرعي، توفيق ونوفل، محمد (2007): مستوى مهارات التفكير الناقد لدى طلبة كلية العلوم التربوية الجامعية، بحث منشور في مجلة المنارة للبحوث والدراسات، الأردن، المجلد 13، العدد 4.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

أوقات الأزمات وتجلي التفكير العلمي

الانطباع الأول وحدوث الخطأ في التفكير

النمو ومهارات التفكير لدى الأطفال

اظهر المزيد

أ.م.د / السيد منصور الشاعر

أستاذ خدمة الفرد المساعد بالمعهد العالى للخدمة الإجتماعية بالقاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى