قضايا وجودية - مقالاتمقالات

سقراط والمستقبل

سقراط والمستقبل

يبدأ الحوار بسيطا هادئا، على طريقة سقراط،  نسأل عن المسلمات البسيطة والمعلومات السطحية التي في العقل، سؤال بسيط: لماذا تريد أن تعمل أستاذا في الجامعة؟ يأتي الجواب بسيطا كالسؤال: لكي أعمل في البحث العلمي وأصبح مخترعا. ربما إجابة نتوقعها من الصبيان، لكنها تظل معنا في خيالنا ونحن ننمو، وربما تظل بنفس البساطة وربما تنمو معنا هي أيضا، لربما من الطبيعي أن تنمو معنا وربما من المبتذل أن تظل الفكرة لسنين طويلة مهملة بلا تفكير أو تطور، خاصة إذا كانت تتعلق بأكثر ما يقلقنا وهو المستقبل. إنه المستقبل إذا، هو المفتاح لكل الحوارات الشيقة؛ ذلك لأن التخطيط للمستقبل يحتاج لدراسة الكثير من العوامل والمتغيرات.

لقد أشار سقراط في محاورة فايدروس أن الحوار يتدخل في كل شيء. إن الإنسان بطبيعته يتبادل المعرفة من خلال الحوار، ولذلك صنف الخطابة على أنها «فن قيادة النفوس عن طريق الأحاديث»، ووصف دورها الهام في توجيه آراء الناس نحو الأحكام والأحداث، فيستطيع الحوار أن يجعل نفس الشيء يبدو لنفس القوم تارة عادلا وتارة غير عادل! وذلك وفق توجيه المحاور أو الخطيب. «… أما في المهاترات المدنية فإن نفس الأشياء تظهر للمدينة وأهلها تارة خير وتارة أخرى عكس ذلك أيضا حسب غرض الخطيب».[1]

وأشار في ثياتيتتوس إلى أن «الخير والمناسب هو هدف التشريع» وأن المناسب يقع كله تحت عنوان أعم منه وهو المستقبل «… إن النوع (الذي يقع تحته المناسب) كله له علاقة بأمر المستقبل، وتقر القوانين بحجة أنها ستكون نافعة لزمن مستقبلي».[2]

سقراط والحوار المثمر

لا يمكننا إذا التهاون في أمر الحوار، لا يمكن أن تكون كل حواراتنا من التفاهة والسطحية لدرجة أن يكون كل ما نتكلم فيه هو السفاسف أو أن نستثقل أن نتعمق أكثر في موضوع الحديث لكي نصل لتحليل أعمق للواقع ونفسره بشكل أفضل يعطينا بصيرة أدق بالمستقبل وبما يناسبه من قرارات! لقد كان هدف سقراط هو إيقاظ هذه التنبيهات في العقل الأثيني بعد أن دخلت في سبات عميق عندما رأى الأثينيون أن مدينتهم صارت سيدة شرق حوض البحر المتوسط وملكة الإغريق.

يقول سقراط مخاطبا ثياتيتوس عن السلوك العقلي (التفكير) «… ألا تكتسبه الروح وتحتفظ به بالعلم، إنها تقوم بهذا بالدراسة والانتباه، مع أنها تبقى جاهلة وعرضة للنسيان من خلال الراحة والكسل… » ولذلك يستنتج بأن «… الراحة جيدة والسكون سيء للروح والجسد على حد سواء»[3] كذلك كانت وجهة نظره للوعي الاجتماعي بشكل عام، بأن سكون المجتمع وركوده العقلي هو طريقه للانقراض والتهافت الفكري والاضمحلال الحضاري.

من هنا نكتشف أن الحوار المثمر التحليلي المحرك للعقول الساكنة هو أكسير الحياة للأفراد والمجتمعات. وهو أحد سبل تنقيح الأفكار وتجديد العزم وتطوير الأهداف والخطط المستقبلية عن طريق إعادة مراجعة المسلمات واختبارها وبناء تصور جديد عن المناسب والمستقبل بناءً على تحليل الواقع وما هو كائن بالفعل.

حوارات المقهى

إذا نزلنا إلى المقهى وجلسنا قليلا هناك لربما نلاحظ الأزمة الحقيقية وهو أن أغلب التفاعلات الاجتماعية بيننا هي في الحقيقي  تفاعلات وحركات مادية الطبع. المزاح والضحك قد يكون ماديا لكن حتى النكات التي تلقى فقدت كل الجوانب المعنوية، فهي نكات مادية مجردة عن مفارقات لا منطقية يواجهها الإنسان المعاصر في سعيه وراء المادة. أما في غير الكلام والمزاح فهو إما ترفيه بالألعاب المختلفة أو مشاهد لمسلسل أو لمباراة معينة أو متابعة لمزيد من الأخبار عن مزيد من أحوال المادة وعالم المادة والسيطرة. ولذلك فإن حصة الفكر والتديبر عندنا قليلة جدا من يومنا إلا القليل ممن مازال مداوما على وجبة متزنة من العقل والجسد كل يوم.

ربما نقول لا، فإن الكثير من المحاورات في المقهى قد تدور حول المبادئ والأفكار والأحوال النظامية والاقتصادية للعالم وبعضها نقاشات جيدة. ولا ننكر أن هناك بالفعل نقاشات على الساحة الاجتماعية بين البعض ممن لم يهجروا عقولهم بالكلية. لكن تظل نسبتها ضئيلة لا تكفي لإيقاظ الوعي الاجتماعي كما أراد سقراط.

فالمجتمع الواعي مدرك لزمانه ولواجباته نحو المجتمع والأفراد ولذلك فهو يتحرك دوما بلا كسل نحو تحقيق أهدافه القومية التي حددها وفق رؤيته وتحليله للواقع بصورة عميقة. أما ما نسمعه اليوم من مناقشات فلا تكفي وحدها كأداة لإيقاظ وعي المجتمع، فهي إما محاورات لتنفيس الهم لا تسعى لإيجاد حلول حقيقية للأزمة أو أنها ضحلة جدا في بعض الحالات لافتقارها للاطلاع الواعي على نظريات العلم المتعلقة بالموضوع بالإضافة لظروف الزمان والمكان التي ستحدد بشكل كبير ما نوع الحركة التي يجب اتخاذها لمواجهة الأزمات التي تواجه المجتمع ككل.

الحوار أكسير الحياة

بدأنا بسؤال بسيط عن مستقبل فرد واحد وطورنا الحوار لفكرة أعمق عن المجتمع والوعي والثقافة والحراك الاجتماعي. ربما لم نُجب على كل الأسئلة التي تدور في عقولنا، لكن نجحنا في توضيح الفكرة، فلربما يؤدي سؤال بسيط إلى حوار كبير يمس نقاطًا لم نكن نتخيل في يوم أن نتطرق لها. لكن أن لا نتعلم من تاريخ الحوار وأن لا نسمح للحوار والنقاش (البنَّاء لا الجدلي العقيم غير المنتج) أن يأخذ الحيز المطلوب من حياتنا وأن يساعدنا كأداة تحليل قوية في تقرير وتخطيط مستقبلنا، أن نصاب بهذا المرض العدائي للحوار، فلربما يكون هذا المرض أشد ضررا وخطرا من سائر الأمراض الأخرى التي قد تصيب المجتمع ذلك لأن الحوار هو أكسير الحياة ومجدد النشاط الذهني للمجتمع.

[1] أفلاطون، ترجمة وتقديم: أميرة حلمي مطر، «محاورة فايدروس لأفلاطون أو عن الجمال»، صـ 100، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة (2000).

[2] شوقي داوود تمراز، «أفلاطون المحاورات الكاملة»، المجلد الخامس، صـ 195، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، (1994)

[3]نفس المصدر السابق، المجلد الخامس، صـ 154

اقرأ أيضا:

الحق سينتصر رغم انتشار الباطل – وسنن التاريخ لا تدعو لليأس

من العجب إلى الحب.. كيف نطهر قلوبنا من الغرور بالحب ؟

فراغ القلب.. كيف يواجه الصديقان مشاكل الحياة ؟

اظهر المزيد

حسن مصطفى

مدرس مساعد في كلية الهندسة/جامعة الإسكندرية

كاتب حر

باحث في علوم المنطق والتفكير العلمي بمركز”بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث”

صدر له كتاب: تعرف على المنطق الرياضي

حاصل على دورة في مبادئ الاقتصاد الجزئي، جامعة إلينوي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى