مقالات

رؤى إبداعية في فلسفة التعليم – الجزء الرابع

التعليم والديمقراطية

“كلما ارتفع مستوى التعليم في دولة ما، سنحت الفرص لنمو الديمقراطية وازدهارها بطريقة سليمة.” سيمور مارتن ليبست: رجل السياسة: الأسس الاجتماعية للسياسة، ترجمة: خيري حماد، بيروت: دار الآفاق، 1962، ص. 27).

أكدنا في مقالات سابقة على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للتعليم والبحث العلمي، أما في هذا المقال فسنكشف عن دور التعليم في ازدهار المجتمع الديمقراطي.

ونبدأ مع ما قاله الفيلسوف الأمريكي «سيدني هوك» “Sidney Hook” (1902-1989)، في كتابه (التعليم من أجل الإنسان الحديث)، حيث يذهب إلى أن هناك مجموعة من الأهداف التي ينبغي لنظام التعليم أن يحققها،

وهي على النحو الآتي:

( 1 ) ينبغي أن يستهدف التعليم تطوير ملكات التفكير الحر والمستقل لدى الأفراد.

( 2 ) يجب أن يُثير فيهم قوة الإحساس والتخيل، وتقبُّل الأفكار الجديدة.

( 3 ) يجب أن ينتج عنه نوع من الوعي الذاتي النقدي تجاه التقاليد الثقافية والأدبية والعلمية الموروثة.

( 4 ) ينبغي أن يُفسح المجال أمام الأفراد للتفكير في الموضوعات المهمة التي تتعلق بالطبيعة، والمجتمع الذي يعيشون فيه، وتاريخ بلدهم.

( 5 ) يجب أن يسعى إلى تنمية المُثُل العليا الديمقراطية، وتعميق النظرة بضرورة الحرية.

( 6 ) يجب أن يمد الأفراد بالمهارات اللازمة والأساليب العامة التي تُمكِّنهم من تطوير قدراتهم ومواهبهم الخاصة.

( 7 ) ينبغي أن يُنمِّي سمات الشخصية الفردية بحيث يتمكَّن الأفراد من الاعتماد على أنفسهم.

الأخلاق الديمقراطية في التعليم

تُمثِّل هذه المبادئ مجموعة من الغايات التي يجب على نظام التعليم أن يحققها لبناء مواطنين قادرين على ممارسة حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي يَفرِض تعزيز الأخلاق الديمقراطية في التعليم.

فالديمقراطية بوصفها الطريقة المثالية في الحياة الاجتماعية والسياسية لا يمكن أن تزدهر إلا من خلال استخدام المناهج العلمية وتوظيف التقنيات الجديدة في المجالات السياسية والاجتماعية.

كذلك الأمر فإذا كانت الديمقراطية تعتمد على المناقشات الحرة، فإن اتخاذ القرارات فيها ينبغي أن يعتمد على بدائل الفعل والخيارات المتاحة، وبالتالي فإن نجاح الديمقراطية يعتمد على ما إذا كان المواطنون المشاركون في اتخاذ القرارات يسترشدون بأساليب التفكير العلمي أم أنهم يتأثرون بالعاطفة والتقاليد الجامدة.

من هنا يدعو سيدني هوك إلى ضرورة وجود المناخ الديمقراطي بحيث يمارس فيه المواطنون حرياتهم وحقوقهم. وعلى الرغم من أهمية معيار الأغلبية السياسية في الديمقراطية، فإن التعبير عن الموافقة لا يُعَدُّ حرًا إذا لم يكن أمام الأغلبية سوى تلك المعلومات الجاهزة المقدمة لهم، أو إذا لم يكن بإمكانها سماع أي صوت سوى صوت واحد، سواء كان هذا الصوت الواحد في قاعات التدريس، أو وسائل الإعلام أو غير ذلك.

من هنا تتأكد العلاقة الجدلية بين التعليم والديمقراطية، فالدولة الديمقراطية ملزمة أن تنشر التعليم الأوليّ، وتقوم عليه لأغراض عدة، ومن هنا أيضًا تتضح الصلة الوثيقة بين ازدهار المجتمع الديمقراطي ووجود نظام تعليمي ينمي في الأفراد روح الابتكار ويغرس فيهم قيم التسامح والانفتاح والمرونة والتكيف مع الظروف الجديـدة،

ومن قبل ذهب الفيلسوف الأمريكي «جون ديوي» (John Dewey) (1859-1952)، في كتابه (الديمقراطية والتربية)، إلى أن التعليم ينبغي أن يكون محورَ الاهتمام الرئيسي لأي فلسفة اجتماعية وسياسية، مؤكدًا على دوره في ترسيخ الفكرة الديمقراطية وتعزيزها. فالتعليم في نظره يمثل وسيلة التقدم الديمقراطي الأولى، لأنه يُمكِّن الأفراد من الخلق والابتكار.

الاهتمام بالتعليم كقيمة حضارية عليا

وهكذا تتضح ضرورة تطوير نظام التعليم بما يتلاءم مع المُثُل الديمقراطية العليا، وبحيث يكون التعليم وسيلة للتحرر الإنساني، وتوسيع الآفاق الذهنية والعقلية، وخلق الظروف المواتية لحياة اجتماعية كريمة.

وهكذا أيضًا تأكيد العلاقة الطردية بين التعليم والتفكير المستنير من جانب، ونجاح الديمقراطية من جانب آخر، وهذا نابع من الآثار الإيجابية للتعليم على كل المستويات، وكونه أداة للتنوير في المقام الأول.

هذا هو الدرسُ -في الألفيةِ الثالثة- الذي ينبغي أن نتعلمه: الاهتمام بالتعليم كقيمة حضارية عليا.

اقرأ أيضاً:

الجزء الأول من المقال

الجزء الثاني من المقال

الجزء الثالث من المقال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

د/ حمدي عبد الحميد الشريف

أستاذ الفلسفة السياسية المساعد بكلية الآداب، جامعة سوهاج

مقالات ذات صلة