فن وأدب - مقالاتمقالات

دين جديد يُقدمه الفكر الغربي

شبكة نتفليكس ومسلسل المسيح

عرضت شبكة ” نتفليكس ” حديثا مسلسلها الجديد بعنوان “المسيح” حيث عَرَضَ لنا في إطار درامي شيق وترغيب عاطفي جذاب مجموعة من الأفكار التي تبدو سليمة من حيث الشكل والمضمون، لكن الأفكارالحقيقية غير ذلك وهذا ما سنناقشه.

وما يهمنا هو ما ورد فيه من أفكار نتعرض لها الآن

في البداية لا أجزم بأنَّ هذه الرؤى أعلن عنها صناع العمل أو سيلاحظها كلُ من يشاهده وليس في ذلك تفضيل أو تقليل، وإنما اختلاف ردود الفعل طبقا لرؤية  وفهم كل منا واختلافه في التحليل عن غيره، وسأبدأ بذكر المشاهد التي رأيت فيها ما أتحدث عنه

مشهد اعتراض الجيش الاسرائيلي جماعات سورية من العبور وزيارة القدس؛ منع دام لأيام حتي بادر أحدهم بخلع ردائه كله عاريًا تماما، وتقدم نحو الجند فاعترضه الجندي بالسلاح وما لبث أن سمح له بالدخول، وكأنه رأي فيه تخليه عن معتقداته وأفكاره التي هي أساس التصارع بينهم وهذا تحليل ظني قد يحمل أكثر من معنى ولكن بتتابع الأحداث نجد تأكيد على فكرة بعينها

ومشهد “المسيح” وكلما سُئل عن وجهته القادمة وخططه؛ قال لا أعلم وتكراره بأن الله يتحدث من خلالنا ويتحرك من خلالنا وترك القس هو من يحدد الوجهة القادمة، وعندما سأله عن موافقة اختياره لمراد الله قال له؛ ستشعر بذلك.

مشهد حرق القس أخيرًا لكنيسته، وعدم إلقاء الفتى للخطاب الذي لَقَّنه إياه شيخه، ورفض وتوقف الإرهابي عن تفجير المسجد كما أمره قائده، انتهي المسلسل على نتفليكس ب “أنت تصبح ما تؤمن به”

ما وراء المشاهد

يستقبل ذهن الإنسان المعلومات والصور من حواسه ويقوم الذهن بتحليلها وصياغة مفاهيم كلية من منظور منهجيته التي يفكر بها حسية أو نصية أو عقلية كانت فتتكون لديه رؤية لذاته ولله وللكون والعلاقة بينهم، ويتصرف وفق هذه الأيديولوجيا الخاصة به؛ فسلوكه وأفعاله مُستقاة من الأفكار التي يحبها ويرى فيها سعادة له.

ولما كان التصارع دائما موجود بين الناس بسبب الأطماع الشخصية والرغبة في المنفعة حتى على حساب الغير ممَّن ارتكب الحماقات وسفك الدماء، وكل يبرئ نفسه من كونه معتد أو مخطئ؛ فإن تنوع الأفكار في اختلافها وتضادها أحيانا هي المُدان.

إذن؛ فهي المحرك الأول والحل من وجهة نظر صناع هذا العمل هو في التخلي عن كل هذه الاعتقادات التي تفرقنا والتجرد التام من الرؤى القومية والدينية وغيرها حتي نكون بني آدم جسدا وروحا موحدة متفقة متسقة لا تختلف علي شيء؛ فتنتهي الصراعات والخلافات وينشأ السلام وينمو التكافل والتعايش.

هكذا عرضت ” نتفليكس ” الحل في مسلسل المسيح.

ولكن هل من الممكن تطبيق تلك الرؤية؟! أي التخلي التام عن الأفكار بشكل نهائي ؟!

مفهوم التجرد

على ما يبدو أن هناك فهم غير مكتمل لفكرة التجرد؛ هي يرى صناع المسلسل أن التجرد هو بمعني التخلي الدائم عن كل الأفكار المسبقة والتوقف عند تلك المرحلة الفكرية وحسب، لكن الفكرة الحقيقية غير ذلك.

فالتجرد هو ما يصطلح عليه أيضًا بـ”الموضوعية” وهو ما يعنى النظر والتأمل والحكم على المضمون أو موضوع القضية الفكرية المطروحة من حيث صحتها أو خطأها في ذاتها، وليس الحكم عليها من خلال الاتفاق أو الاختلاف الشخصي مع قائلها أو بافتراض دوافعه.

ولذلك فالتجرد هو حالة نفسية يسعى فيها الإنسان لكى يكون موضوعيًا أو متجردًا في الاستماع وتقبل الحقائق حتى لو كانت تلك الحقيقة لدى الخصوم أو إذا ما خالفت ما يعتقده الإنسان، وبالتالي فوجود تلك الحالة يفتح الباب لصاحبه ويسمح له بالتعلم؛ أي اكتساب المعرفة والجديد منها باستمرار والقدرة على تصحيح الأفكار والمعتقدات أو تغييرها بعد الاستدلال على صحتها.

ذلك الاستدلال الذى يتحقق من خلال تطبيق قواعد وأحكام التفكير المنطقي؛ فيسمح للإنسان بتحري درجة الحكم على القضية ما بين اليقين والظن أو الوهم، وبالتالي لا يحمل الفكرة أكثر مما يجب أن تحتمله من درجة في تصديقها بمراعاة نوع الاستدلال الذى توصل به إليها. من هنا يمكن القول أن التجرد هو أيضًا تلك الحالة التي تسمح لصاحبها بمراعاة واتباع قواعد التفكير المنطقي بدقة.

ما أحدثته السيولة

أما الرؤية الفاقدة للقيمة والمرجعية المنوطة بتحديد ورسم قيم وغايات الفعل، هذا التخبط كان نتيجة حتمية لإنكار وجود حقيقة حاكمة في الأساس، وطغت النسبية فيه والسيولة في تقييم السلوك، هذه الرؤية استبدلت مرجعية ومركزية الإله العادل الحكيم بالإنسان؛ ذلك الإنسان الذي لم يستطع أصلا بداية بأن يعتنق ويعترف بالحقيقة؛ فأنكرها.

كيف له أن يقرر ما الصواب وما الخطأ؟! أيهما أنفع؟! وأيهما مُضر في هذه المرحلة؟! لن يوجد فعل صالح وفاسد؛ فالصالح والفاسد يتحقق بأحكام مصدرها رؤية ناتجة عن منهجية تفكير تسلسل أنكره من جذوره؛ قائمة على الأسباب والمسببات لا الهوى والاستحسان  الشخصي.

لا يمكن للإنسان أن يكون مقياس للصواب والخطأ، ولا يملك إلزام غيره بالصواب والخطأ، وإنما بمصدر وتشريع واقعي منطقي يمكن الاستدال على سلامته، مُلزم للجميع وإلزاميته ليست إلا في قوة حجته وسلامة رؤيته وقابلية تطبيقه يستمد حاكميته من مصدر أكثر علمًا وحكمة وعدلا.

كيفية مواجهة السيولة الفكرية

حيث تعتبر معرفة الحقيقة، والاعتراف والتسليم بها أول خطوة للهرب من السيولة والتناقض الذاتي بمعرفة حدود العقل والنص والحواس والمساحة التي يتحرك فيها كل منهما والعلاقة التكاملية بينهم هي المنهجية الفعالة للوصول للحقيقة تحت حاكمية قواعد التفكير المنطقي التي تُلزم عدم تناقضها لتكوين رؤية سليمة للنفس ولله والكون للوصول لهذا المصدر الأكثر عدلا وحكمة وعلما بالعقل والتفكير أولا،

ثم التسليم واتباع أوامره ونواهيه؛ فتلك هي القيمة التي يمكن إضافتها للفعل ومنها؛ أي مطابقته لتلك التشريعات هي ما تُكسب الفعل صوابه.

في النهاية؛ قد يحمل المسلسل أكثر من معني ولكن الذي لا شك فيه أننا نري بوضوح -فيما يُقدمه الغرب من أعمال فكرية أو فنية – تخبطا كبيرا جدا على المستوي الفكري، كما نرى سيطرة النزعة الفردية والشخصية غير المنضبطة بأي ضوابط منطقية واقعية فيما يتم تقديمه من أفكار وأعمال.

وما هذا إلا نتاج لمرحلة ما بعد الحداثة الغربية التي تتميز بالسيولة تقريبًا في أغلب جوانب الحياة؛

مما يؤكد على فساد هذا الفكر وحتمية زواله.

اقرأ أيضا:

عصر السيولة ومفاهيمه 

العقل الجمعي .. التجرد وطريق الخروج

السينما قوة لا يستهان بها

الوسوم
اظهر المزيد

علاء حسين

عضو بفريق بالعقل نبدأ أسيوط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق