أسرة وطفل - مقالاتمقالات

دور المدرسة في نشر ثقافة المشاركة المجتمعية

يعد تطوير العلاقة والتعاون بين المدرسة والمجتمع المحلي أحد العوامل المهمة لتفعيل دور المدرسة ورفع كفاءاتها في المجال التربوي والتعليمي، وتوضح الأدبيات في مجال التطوير التربوي أهمية هذه العلاقة وحيويتها لزيادة كفاءة المخرجات المدرسية، وفي ربط الأطر النظرية المعرفية للمدرسة بواقع المجتمع وحاجاته والمتطلبات اللازمة لتنميته.

ونظرا للعلاقة الوثيقة بين التربية والمجتمع فإن المدرسة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن النظام الاجتماعي والمجتمع ككل، فرغم الاستقلالية النسبية للمدرسة إلا إنه لا يمكن اعتبارها مؤسسة مكتفية ذاتيا، وإنما طبيعة دورها تجعلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بمؤسسات المجتمع حيث تتأثر بها وتؤثر فيها.

ولقد اتجهت المجتمعات الحديثة للنظر للمدرسة ليس بكونها فقط مؤسسة تعليمية، بل كونها مؤسسة تعليمية ذات وظيفة اجتماعية تقوم على خدمة المجتمع والتعرف على موارده واحتياجاته.

مفهوم “مدرسة المجتمع”

وقد برز في هذا الإطار مفهوم “مدرسة المجتمع” حيث لا يقتصر دور المدرسة في ضوء هذا المفهوم على تعلم وتعليم التلاميذ فحسب، بل يتعدى ذلك إلى الدور الحيوي الذي تمارسه في تطوير محيطها والتفاعل معه، ولذلك فإن مفهوم مدرسة المجتمع المعتمد على النظام التفاعلي المفتوح للتعايش وتبادل المنافع مع المجتمع يؤكد واقع المدرسة المعاصرة التي أصبحت أهميتها تستمد من انفتاحها وتفاعلها مع قضايا وحاجات مجتمعها لا سيما القضايا والمشكلات البيئية.

ويدعو مفهوم “مدرسة المجتمع”  إلى وضع مرافق المدرسة وإمكاناتها في خدمة المجتمع المحلي، ومن أوجه ذلك: الاستخدام المشترك لمباني المدرسة ومنشآتها واستخدام الساحات والملاعب لإقامة المهرجانات الاجتماعية والرياضية، والعروض المسرحية، والاستفادة من الخبرات المتوافرة في المدرسة لإقامة الدورات التدريبية وفصول محو الأمية وغيرها من أوجه التعليم المستمر، وهذا ما يطلق عليه المشاركة المجتمعية.

وينظر إلى المشاركة المجتمعية باعتبارها التعبير الصادق عن حق إنساني تؤكده كافة المواثيق والدساتير الدولية المرتبطة بحقوق الانسان، والتي تؤكد على أن للإنسان الحق الكامل في المشاركة في قضايا مجتمعه عن طريق إبداء الرأي وتقديم المعرفة للآخرين والاشتراك في الشؤون العامة لمجتمعه، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بجانب حقه في المشاركة بحرية في الحركة الثقافية والتعليمية والتنموية لهذا المجتمع، فالمشاركة كمبدأ إنساني وديمقراطي تمنح الإنسان الحق في إخضاع كافة المسائل والموضوعات المؤثرة في حياته وحياة مجتمعه للمناقشة وإبداء الرأي.

المشاركة المجتمعية ودور الفرد في الحياة

وتُعد المشاركة المجتمعية أهم المرتكزات الأساسية لكافة التوجيهات والاستراتيجيات التنموية الفعالة، فالتنمية الحقيقية والجادة لا تقوم إلا على جهود المجتمع كله، وليس على جهود عدد قليل من أفراده، حيث تتيح الفرصة للمواطن لكي يباشر حقه في صنع القرار المتعلق به وبمجتمعه، ومن ثم يتعمق انتماؤه لهذا المجتمع، كما أن المشاركة بهذا المنهج تصبح أداة لتحفيز الجماهير على المساهمة الاجتماعية المخططة والمنبعثة عن دوافع الإيثار والرغبة الحقيقية في العطاء الواعي والذي يفجر الطاقات الإبداعية لدى أفراد المجتمع ويقودهم للبحث عن صيغ وأساليب جديدة ومتنوعة لبقاء مجتمعهم وتقدمه ودعم الجهود الحكومية في هذا الاتجاه، فالمشاركة المجتمعية تنمي لدى التلاميذ الشعور القومي بالانتماء وتقضي على السلبية والاتكالية وتعد قيمة اجتماعية في ذاتها.

وتعتبر المشاركة المجتمعية حصيلة الاهتمام بتطوير العلاقة بين المدرسة وطلابها ومعلميها ومؤسسات المجتمع المدني، كون المدرسة نتاجا للبيئة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية لمجتمعها وبكونها البيئة الأساسية للتلاميذ، ومن خلال المدرسة تتشكل هويتهم وتتطور مهارتهم وخبراتهم ليصبحوا بعد تخرجهم عوامل بناء وتحديث للمجتمعات التي نشأوا فيها.

إذًا فالمشاركة المجتمعية هي العملية التي يلعب من خلالها الفرد دورا في الحياه السياسية والاجتماعية والبيئية لمجتمعه، وتكون لدية الفرصة لأن يشارك في وضع الأهداف العامة وكذلك أفضل الوسائل لتحقيق وإنجاز هذه الأهداف، وهذا يعني مسؤولية الأفراد والجماعات في المساهمة في تنمية مجتمعاتهم وبالمقابل مسؤولية المجتمع في إشباع احتياجات أفراده، ونظرا لأهمية المشاركة المجتمعية فإن بعض الدارسين والباحثين يعدها هدفا في ذاتها، ويقدر فاعليتها بقدر ما تصبح إحدى الوسائل الرئيسية لتمكين المجتمع من أن يكون له دور قيادي في حركته نحو بلوغ أهدافه مع النمو والتقدم.

ولنجاح عملية المشاركة المجتمعية في التعليم يجب توافر ثلاثة عناصر رئيسية هي:

أ)  الوعي: ويشير إلى درجة وعي الفرد بمكانته في المجتمع ودوره في تطوير التعليم.

ب) الوجدان: ويعني كلما ازداد وعي الفرد بمسؤولياته نحو التعليم ارتفع مستوى انفعاله ودافعيته.

ج) النزوع أو الحركة: وتعني الممارسة الفعلية لسلوك الفرد في المشاركة في خدمة التعليم.

أهداف المشاركة المجتمعية في التعليم:

تحقق عملية المشاركة المجتمعية في مجال التعليم عدة أهداف منها:

  1. المشاركة بالخبرات والتجارب حيث يمكن لكل مشارك أن يقدم المعلومات والخبرات والمهارات التي لديه على أساس من الأمانة والصدق.
  2. المشاركة عن طريق التمويل المالي لتحقيق أهداف التعليم.
  3. المشاركة تنمي لدى الأفراد والمؤسسات قيم الانتماء والمسؤولية والملكية الجماعية.
  4. تنوع الأفكار وإثراؤها نتيجة لكثرة الموضوعات التي يتم مناقشتها والمشاركة في تنفيذها في المنظومة التعليمية.
  5. تحقيق التكامل بين أفكار الأفراد والمؤسسات في الموضوعات والممارسات التي يتم تنفيذها عن طريق التعليم.

وهناك من يحدد أهدافا أخرى للمشاركة المجتمعية في التعليم فيما يلي:

  • توفير الموارد المالية والمادية اللازمة لتحقيق جودة التعليم وإنشاء مدارس جديدة للقضاء على ظاهرة كثافة الفصول وإمداد المدارس بالوسائل التكنولوجية الحديثة.
  • توفير كافة الموارد المالية والمادية أيضا اللازمة لتنفيذ كافة الأنشطة الطلابية للمساهمة في تنمية مواهب ومهارات الطلاب داخل المؤسسات التعليمية.
  • المساهمة في تحسين المناهج والمقررات الدراسية بما يعود بالإيجاب على المنتج التعليمي وتخريج مواطنين صالحين لديهم وعي بواجباتهم وحقوقهم نحو مجتمعهم من ناحية، وبما يتفق مع معايير الجودة الشاملة والمعايير القومية للتعليم من ناحية أخرى.
  • تعزيز الشعور بالملكية، فالأفراد الذين يعملون معا في مهمة واحدة تزيد لديهم فرصة الشعور بالملكية أكثر من أن يعمل كل شخص بمفرده.
  • تغيير النظرة المجتمعية للتعليم، حيث يتم إعداد التلاميذ إعدادا شاملا لكافة جوانب الشخصية المتكاملة سواء العقلية أو الوجدانية أو المهارية.
  • تبادل الأفكار والخبرات بين المدرسة والمجتمع المحلي المحيط يسهم في دعم الكفايات الداخلية والخارجية للتعليم.
  • تعميق روح التعاون بين الأطراف المشاركة في إدارة التعليم سواء كان ذلك على المستوى الداخلي للنظام التعليمي (داخل المدرسة) أو على المستوى الخارجي مع المؤسسات المحيطة بالمدرسة.
  • إعداد جيل واع متمسك بمبادئه وتقاليده الإسلامية والعربية، يحافظ على وطنه ويساهم في بنائه.
  • غرس حب العمل الجماعي، والتعاون من أجل تحقيق النفع العام.
  • الكشف عن استعدادات ومواهب وميول الطلاب، والمساعدة على تنميتها وتوجيهها فيما ينفعهم وينفع المجتمع.
  • مساعدة الطلاب على بناء علاقات اجتماعية ودية مع آبائهم والعاملين بالمدرسة، وتوجيه هذه العلاقة نحو خدمة المجتمع.
  • إكساب الطلاب المهارة والقدرة على التكيف مع المتغيرات المرغوبة التي تحدث في مجتمعهم، والمساهمة الإيجابية في إحداث هذه التغييرات.

دور المدرسة المجتمعية في تنمية المجتمع المحلي:

  1. المساهمة في دراسة ورصد المشكلات التي يعاني منها المجتمع المحلي المحيط بالمدرسة وخاصة المشكلات البيئية منها.
  2. المساهمة في تنمية روح التعاون والمشاركة الديموقراطية بين أفراد المجتمع المحلي والأسري والمجتمع المدرسي عن طريق التطبيق والممارسة الفعلية للعمل داخل وخارج المدرسة.
  3. تنمية وعي جميع الطلاب والمدرسين والعاملين بالمدرسة بأهمية المشاركة المجتمعية في مواجهة القضايا والمشكلات البيئية في المجتمع المحلي المحيط بالمدرسة.
  4. إشاعة معايير الجودة والتميز والابتكار، واعتماد نظام ضمان الجودة كحكم على مدى فعالية الأداء والكفاءة والإنتاجية للمدرسة.
  5. الإسهام في تحقيق الاحتياجات الأساسية بجانب الاحتياجات التعليمية النفسية والبدنية والاقتصادية والترويجية والاجتماعية لسكان المجتمع المحلي المحيط بالمدرسة.
  6. تقديم الفرص للطلاب للتعمق في دراسة مجتمعهم، وتطبيق المعرفة والمهارات العلمية للتصدي للمشكلات والمواقف التي تواجههم واتخاذ القرارات الرشيدة.
  7. إتاحة مباني وأقسام المدرسة أمام أعضاء المجتمع لعقد وتنفيذ كافة الأنشطة والفاعليات الخاصة بالمجتمع داخل المدرسة.
  8. إعداد وتنفيذ برامج وأنشطة بيئية تساهم في مواجهة المشكلات البيئية كالمعسكرات البيئية والقوافل التنموية وحملات التوعية بالمناطق المحيطة بالمدرسة.
  9. عقد وتنفيذ مبادرات مجتمعية بالمشاركة مع منظمات المجتمع المدني المحيطة بالمدرسة لتحقيق التعاون، وتنسيق الجهود في مواجهة المشكلات والقضايا المجتمعية والبيئية.

ولمزيد من التفاصيل يرجي مراجعة:

– عبد الله الرشدان: علم اجتماع التربية، دار الشروق، ط3، عمان، 2014.

أحمد مصطفى خاطر، تنمية المجتمعات المحلية نموذج المشاركة في إطار ثقافة المجتمع، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 1999.

– محمد حسنين العجمي: المشاركة المجتمعية والإدارة الذاتية للمدرسة.

– محمد يسري دعبس: المشاركة المجتمعية والتنمية المتواصلة “دراسات وبحوث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية” ط1، البيطاش سنتر، الإسكندرية، 2008.

– رشيدة السيد أحمد: التخطيط لإدارة المؤسسات التعليمية ذاتيا في ضوء المشاركة المجتمعية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2010.

– رمضان عبد الحميد الطنطاوي: التربية البيئية تربية حتمية، دار الثقافة، عمان، ط1، 2008.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

سلسلة المهارات الحياتية الواجب تعليمها للطلاب

المجتمع المدني العربي والتعليم بين الواقع والمأمول

 دور المعلم والأخطاء التي تواجه المجتمع

اظهر المزيد

أ. اسماء الشاعر

معلم أول لغة عربية بالأزهر الشريف

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى