قضايا شبابية - مقالاتمقالات

روائح الجنة في الشباب

هذا عَجُز بيت من الشعر لأبي العتاهية الشاعر العباسي الجهير، يصدح فيه ببيان نِعَم الشباب وما بهذه المرحلة العمرية من قوة الجهد وفتوة البنية ومضي العزيمة وقمة النشاط والتمتع بمباهج الحياة، فأيامهم خير أيام الحياة، وهي المرحلة التي يستطيع الإنسان فيها أن يمارس مناشطه كلها دون أن يعكر صفوه وهن عظم أو اشتعال شيب أو خوار قوى.

دور الشباب في نهضة الأوطان

إن الشباب عدة الوطن وعتاده، وهم مبعث حضارته وتقدمه وهم قادة مسيرته إلى العلا والمجد، وهم صناع مستقبله وخلوده، ولهم دور يجب ألا ينكر، فعلى أكتافهم تقوم المشروعات وبأيديهم تبنى البلاد، هم قادة المستقبل لذا يجب تدريبهم على القيادة متى ظهر منهم النبوغ في الفعل والحصافة في الرأي، ولا عجب أن نرى آخر فعل لنشر الدعوة الإسلامية خارج شبه الجزيرة العربية لرسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم– أنه أسلم قيادة الجيش لأسامة بن زيد وهو في الثامنة عشرة من عمره، ذلك الجيش الذي ضم كبار المهاجرين والأنصار، وكانت إمرتهم تحت يد أسامة دون أن يعترض منهم أنصاري أو يأنف من ذلك مهاجري، فكان هذا درسًا عمليًا في تولية الشباب المناصب متى استحقوها وتشجعيهم متى تولوها.

الشباب عوامل التغيير في المجتمع

يجدر بي همسة واجبة في أذن شبابنا العظيم، يا شبابنا: لقد قام هذا الوطن على مجهودكم وعلى ثوراتكم المتتابعة التي استطاعت أن تنقذه من يد الاحتلالات المتهجمة عليه، فأخرجتم الفرنسيين والإنجليز من قبل، وفي عصرنا الحاضر غيرتم أنظمة لم تستطع أن تلبي نداءات الشعب، وهذا كله يجعل عليكم مسؤولية تجاه أنفسكم وتجاه وطنكم، فأما التي تجاه أنفسكم فيجب عليكم أن تنموا ملكاتكم الفكرية بالعلم والثقافة والقراءات الحرة التي تبني الوعي وتنير الفكر، وأن تنموا ملكاتكم البدنية بالرياضات المتنوعة، وفي الوقت ذاته يجب عليكم ألا تنماعوا مع الموضات الغربية الغريبة التي فشلت في موطنها قبل أن تأتي إلينا، والعجيب أن نجد من يقلدها بعد ذلك وهذا مما يؤسف له أشد الأسف.

وأما مسؤوليتكم تجاه وطنكم فأن تحافظوا عليه من كل معتد أثيم، وأن تعلموا جيدًا أن هذا الوطن لن يكون له بقاء وتقدم بغير بقائكم وتقدمكم، وهذا يقتضي منكم أن تكونوا متقدمين في دراساتكم وفي مناشط حياتكم كلها، وأكاد أشعر أن مصطفى صادق الرافعي كان ينظر إليكم وهو يقول:

وما يرفع الأوطان إلا رجالها              وهل يترقى الناس إلا بسلّم

بين الشباب العربي والأوروبي

دور الشباب

صدقوني أيها الشباب أنتم أفضل من شباب الغرب الذين تقلدونهم، فأخلاقكم الشرقية الأصيلة أفضل من أخلاقهم الغربية الذميمة، والتزامكم المترسخ في شخصياتكم أفضل من انحلالهم المترسخ في شخصياتهم، وطريقة حياتكم المترابطة المستقرة أفضل من طريقة حياتهم المشتتة، وإذا أردتم دليلًا على ذلك فهناك أدلة كثيرة، فيكفينا أن نلحظ الفارق بين استقرار الأسر الشرقية وترابط أفرادها وانسجامهم، وانحلال الأسر الغربية التي بات الأبناء فيها لا يعرفون آباءهم، بل الأنكى من ذلك أن نجد أبناءهم ينفصلون عن آبائهم ولا يعرف كل فريق منهم شيئًا عن الآخر، حتى ليموت أحدهم دون أن يعرف الآخر بموته.

وهاكم دليل آخر على علو أخلاقكم أيها الشباب، انظروا عندما يحدث لإنسان عندنا حادث ما، فإنك على الفور ترى الناس كلهم يقفون بجانبه ويساعدونه بما استطاعوه كله من أنواع المساعدات البدنية والوقتية والمالية دون أن يترددوا، أما إذا حدث لإنسان غربي حادث ما فلا ترى من يقف بجانبه ويقدم له مساعدة إلا في القليل النادر جدًا، وهذا راجع إلى النشأة العربية الاجتماعية التي نشأ عليها أبناء الشرق، وإلى الأخلاق المشرقية التي توارثها الأبناء جيلًا بعد جيل، وإلى النشأة الغربية التي نشأ عليها أبناء الغرب وتوارثوها جيلًا بعد جيل، تلك النشأة التي قدمت لهم التفرقة العنصرية في أحط معانيها والأنانية الإنسانية في أحقر أشكالها، وحقًا إن الأدلة كثيرة على تفوق الإنسان المشرقي وعلى علو أخلاقه، وعلى أنه يجب أن يستقل بشخصيته ولا يأخذ من الآخرين إلا ما يساعد على تقدمه وبنائه.

حكمة التعامل بين الشباب والكبار

إن الشيوخ –أعني بهم كبار السن– ذوي العقول النيرة والخبرات المحكمة هم من يتخذون الشباب يدًا فاعلة في تنفيذ ما تنتجه قرائحهم وتجود به عقولهم، ذاك أن الملكات الفكرية تكون عند الشيوخ أقوى ما تكون، فقد مروا بتجارب حياتية وأزمات معيشية ومواقف وطنية أصقلت أفكارهم وأنضجت عقولهم وأعقبتهم رصانة في آرائهم، لكن تنفيذ هذه الأفكار على أرض الواقع يحتاج إلى ملكات النشاط والعزيمة والأمل، وهذا ما نجده عند الشباب الذين وهبهم الله تلك الميزات، فهم الوقود والطاقة والحماسة والقوة التي لا تنفد أبدًا، وعليه فإن النجاح والتقدم مشروطان بتعاون الفريقين وهذا كله يصب أول ما يصب في مصلحة وطننا الغالي مصر، وإنني على يقين لا يخالطه شك أن شبابنا قادرون على العبور بسفينة الوطن إلى بر الأمان، والخروج به من أزماته متى أتيحت لهم الفرصة واستثمرت طاقاتهم الكامنة وزجّ بهم في ميادين العمل الرحبة.

مقالات ذات صلة:

الفضول علامة الشباب

بين مثالية الشباب وزهد الشيوخ

ما يجب على الشباب تجاه مجتمعاتهم

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. عبدالله أديب القاوقجي

مدرس بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر