رياضة - مقالاتمقالات

دوري السوبر الأوروبي.. نهاية مشروع أم مفترق طرق؟ – الجزء الثاني

شهدت الكرة العالمية الأسبوع الماضي العديد من التطورات المتسارعة وغير المسبوقة في تاريخ كرة القدم الأوروبية، تمثلت في إعلان 12 ناديًا من أهم أندية كرة القدم في العالم عن توصلهم لاتفاق لتدشين بطولة “دوري السوبر الأوروبي”، تنظمها الأندية المؤسسة بشكل منفصل عن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا).

وعلى مدار 48 ساعة ما بين الإعلان عن إطلاق المسابقة الأوروبية الجديدة في أقرب وقت ممكن وما بين الإعلان عن توقف/ تجميد المشروع، دارت العديد من المساجلات والمناقشات بين أطراف اللعبة والمهتمين بها حول هذا المشروع، والدوافع من ورائه وردود فعل المؤسسات الحاكمة وعناصر اللعبة، والمصير المنتظر لهذه الفكرة في المستقبل المنظور.

المؤسسية مقابل الأفراد

بدت فكرة دوري السوبر الأوروبي وكأنها رغبة، أو حلم شخصي لمجموعة من رؤساء وملاك الأندية المشاركة على رأسهم فلورنتينو بيريز رئيس ريال مدريد، ومن ورائه أندريا أنييلي رئيس يوفينتوس، إلا أن هذه الرغبة/ الحلم اصطدم بالمؤسسات التقليدية الحاكمة لكرة القدم التقليدية، كالاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)،

والاتحاد الأوروبي (يويفا) وروابط الدوريات الأوروبية الكبرى، التي كانت واضحة جدا في انتقادها للفكرة الوليدة، لدرجة تهديدها في بيان رسمي بأن “الفرق التي ستشارك في هذا الدوري لن تشارك في أي بطولة محلية أو أوروبية أو عالمية أخرى، وسيُمنع لاعبوها من المشاركة مع منتخباتهم الوطنية”.

أثارت هذه التطورات العديد من التساؤلات حول المحركين الأساسيين في كرة القدم الأوروبية، المال أم المؤسسات أم السلطة والنفوذ، كذلك مدى نزاهة وحيادية المؤسسات ودوافع إنشائها واستمراريتها.

اللاعبون والجمهور.. الأوراق الرابحة

في الوقت الذي ينأى لاعبونا في الوطن العربي بأنفسهم عن إبداء الرأي في قضايا عامة تهم المجتمع، أو حتى تهم مجالهم والصناعة التي ينتمون لها خوفًا من بطش الإدارات أو هياج الجماهير، يختلف الوضع في الكرة الأوروبية، فنجد أن اللاعبين ليسوا مجرد مرتزقة، أو تروس في صناعة ضخمة دون اعتبار لآرائهم، ومواقفهم إزاء المستجدات والمقترحات الهادفة لتطوير اللعبة.

حيث قام العديد من اللاعبين بإبداء رفضهم للمشروع المقترح، فأصدر جوردان هندرسون قائد ليفربول، بيانا عبر تويتر شاركه فيه كل من محمد صلاح، جيمس ميلنر، آندي روبرتسون، ترينت أليكساندر أرنولد، وفيرجيل فان دايك، يرفضون فيه مشاركة النادي في دوري السوبر الأوروبي. وكتب سيسك فابريجاس على تويتر: “شكرًا لجمهور كرة القدم، الرياضة الجميلة لا شيء دونكم”.

كما أعرب اللاعبان السابقان بالمنتخب الألماني، لوكاس بودولسكي ومسعود أوزيل، عن رفضهما لفكرة البطولة. وقال بودولسكي عبر “تويتر”: “استيقظت اليوم على أنباء مجنونة، إهانة لاعتقادي ومنظوري بأن كرة القدم هي السعادة والحرية والعاطفة والجماهير وأنها للجميع”.

الفجوة بين إدارات ورؤساء الأندية، وبين جماهيرها

وواصل: “هذا المشروع مثير للاشمئزاز وغير عادل، أشعر بخيبة أمل لرؤية الأندية التي لعبت لها سابقا وهي تشارك في هذا.. قاوموا هذا!”. وقال أوزيل، عبر نفس الموقع: “الأطفال يكبرون وهم يحلمون بالفوز بكأس العالم، ودوري الأبطال الأوروبي، وليس دوري السوبر.. الاستمتاع بالمباريات الكبيرة ينبع من أنها تكون مرة أو مرتين فقط في العام، وليس في كل أسبوع”.

يقولون أن كرة القدم بدون جمهور كالمسرح بدون متفرجين، وبرهنت جماهير كرة القدم الأوروبية على دورها الحاسم في إنجاح أو إفشال بقية عناصر اللعبة، فبمجرد الإعلان عن فكرة السوبر الأوروبي، واجهت غضبًا عارمًا من جماهير الأندية، منها جماهير البلوز تشلسي التي اعترضت حافلة الفريق عند دخوله ملعب ستامفورد بريدج قبل مواجهة برايتون في الجولة 32 من الدوري الإنجليزي، وجماهير ليفربول التي رفعت لافتات خارج ملعب أنفيلد تندد فيها بموقف ناديهم كتب على أحدها: «جماهير ليفربول ضد بطولة السوبرليج»، وعلى الأخرى «عار عليكم، فلترقد بسلام يا ليفربول 1892- 2021».

أظهرت أزمة دوري السوبر الأوروبي الفجوة بين إدارات ورؤساء الأندية، وبين جماهيرها، إذ كيف أقدمت الأندية على هذا المشروع دون استطلاع رأي جماهيرها؟ وكيف يدعي ملاك ورؤساء الأندية أنهم يعملون لصالحهم، ويواجهون كل هذه المقاومة؟!

دروس مستفادة

انتهى مشروع دوري السوبر الأوروبي قبل أن يبدأ، فأعلن منظموه تجميد المشروع حتى يتم تشكيله من جديد، وذلك بعد انسحاب أغلب الأندية منه، واعترف بنك جي بي مورجان تشيس الأمريكي بأنهم أخطأوا في تقدير الكيفية التي سينظر بها مجتمع كرة القدم الأوسع إلى هذه الصفقة، وكيفية تأثير المسابقة عليهم في المُستقبل، وأنهم سوف يتعلمون من هذه التجربة.

لكن الوقت القصير ما بين الإعلان عن المشروع وقرار تجميده يحمل العديد من الرسائل والدروس المستفادة، منها:

– أن كرة القدم تمر بمرحلة فارقة ووجودية من تاريخها، تحتم على المخلصين لها إيجاد حلول ناجعة للمشكلات التي تعاني منها، تحفظ لها قيمتها، وتخدم كافة عناصرها.

– فشل مشروع السوبر الأوروبي لا يعني فشل الفكرة، أو استسلام أصحابها، فهم سيعودون، ويحاولون مرة أخرى.

– نجاح المؤسسات التقليدية في كرة القدم في إجهاض المشروع لا يعفيها من المثالب التي تشوب أداءها، بل يحتم عليها مراجعة ذاتها، وحوكمة ممارساتها، وتعزيز قيم الشفافية، والنزاهة، والإفصاح، والعدالة في توزيع العوائد.

اقرأ أيضاً:

الجزء الأول من المقال

عندما يكون التعصب الرياضي هو الأصل

جمهور شالكه لا يمنح الورود بعد الهبوط

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اظهر المزيد

أحمد صلاح إبراهيم

معيد بمعهد التخطيط القومي

مقالات ذات صلة