مقالات

خرافة انتصار الرأسمالية

كتب/ د. جلال أمين

قبل نحو قرن ونصف القرن كتب كارل ماركس وزميله فردريك انغلز يتنبآن بسقوط الرأسمالية. كان النظام الرأسمالي في قمة عنفوانه: انكلترا وفرنسا أتمتا ثورة صناعية رائعة، والمانيا والولايات المتحدة على وشك اتمامها، والاقتصاديون التقليديون البريطانيون يقررون بثقة أن هذا النظام الذي يقوم على الحافز الفردي والمنافسة في الجري وراء الربح هو الكفيل بمضاعفة ثورة الأمم.

كانت الحجة الأساسية التي استند إليها ماركس وانغلز تتعلق بتوزيع الدخل. نعم قد يؤدي النظام الرأسمالي إلى مضاعفة ثورة الأمم (وإن كان هذا يتسم بدورات صعود وهبوط)، ولكن الذي سيودي بالنظام هو توليده المستمر للفقر المتزايد إلى جانب الغنى الفاحش. وسيستمر هذا التناقض في التفاقم حتى يؤدي حتماً إلى الانفجار، والانفجار هو الذي سيأتي بالاشتراكية محل الرأسمالية.

كان هذا المنطق يؤدي بالضرورة إلى توقع حدوث الثورة الاشتراكية في أكثر الدول الرأسمالية تقدماً، لا في أكثرها تخلفاً، إذ أن الدولة الرأسمالية المتقدمة هي التي يبلغ فيها التضاد بين الفقر والغنى أقصاه. ولكن الذي حدث في 1917 كان ثورة في دولة من أقل الدول الرأسمالية تقدماً، وهي روسيا، ادعت أنها الثورة التي تنبأ بها ماركس، بينما كان ماركس يتوقع حدوثها في بريطانيا أو المانيا. لم يلق الماركسيون بالاً إلى هذا الاعتراض وظلوا يعتبرون أن الثورة الروسية هي الثورة التي تنبأ بها ماركس لمدة تزيد على سبعين عاماً، بل وربما ما زال بعضهم يعتقد هذا حتى الآن، بينما تندّر أعداء الماركسية بهم، إذ اعتبروا ما حدث دليلاً على خطأ كبير في منطقهم، فضلاً عن فشل ماركس الذريع في التنبؤ.

والحقيقة في رأيي ان كلا الطرفين كانا على خطأ. فالثورة الروسية لم تكن هي ثورة احلال الاشتراكية محل الرأسمالية، التي توقعها ماركس، كما أن منتقدي الماركسية أخطأوا في اعتقادهم أن ماركس قد أخطأ عندما توقع أن يؤدي تفاقم سوء توزيع الدخل إلى حلول نظام جديد. نعم، ان النظام الرأسمالي لم يسقط بثورة في سنة 1917، ولم تأتِ الاشتراكية التي كان يتصورها ماركس، ولكن من الخطأ الفاحش أن نتصور أن الأمور تحدث على هذا النحو. من الخطأ أن نتصور أن النظم الاجتماعية تسقط كما تسقط الحكومات بثورة أو انفجار، وتتغير كما تتغير الدساتير أو القوانين. النظم الاجتماعية تتغير وتتحول ببطء وبالتدريج. قد يطرأ عليها من التطورات ما قد يجعلها في النهاية شيئاً مختلفاً جداً عما كانت عليه في البداية، وقد يحدث هذا من دون أي ثورة أو انفجار، بل وربما حدث هذا والناس مستمرون في اطلاق الاسم نفسه عليها، وكأن شيئاً لم يحدث.

هذا هو ما حدث للرأسمالية خلال القرن التالي للتنبؤ الماركسي (1850-1950)، وهو يتفق مع ما توقعه ماركس في أشياء مهمة ويختلف عنه في أشياء مهمة أخرى، فليس هناك إذن مجال لا للاعجاب الشديد ولا للسخرية. فالتفاوت الشديد في الثروة والدخل، الذي لاحظه ماركس، قد مال بالفعل إلى التزايد في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. وكان ماركس على حق أيضاً عندما قال إن من المستحيل أن يتحمل النظام زيادة هذا التفاوت في الثروة والدخل بعد حد معين. بل وكان على حق أيضاً عندما توقع أن تحل الملكية الجماعية محل الملكية الفردية. كان خطأه فقط في توقعه أن تصحيح الأمر لا بد أن يكون بانفجار أو ثورة، ولم يتصور ان من الممكن أن يحدث التصحيح بصور أخرى أكثر مسالمة وأقل صخباً، وأن تكون الملكية “الجماعية” هي بالضرورة ملكية الدولة، فلم يتصور أن يتم توسيع نطاق الملكية بغير التأميم والمصادرة.

لقد ثبت أن هذا وذاك ممكنان وهما ما حدث بالفعل. إذ ماذا عن نمو الشركات المساهمة مثلاً؟ أليست هذه الشركات المملوكة لملايين من صغار المساهمين، صورة من صور “الملكية الجماعية” التي تحقق نوعاً من إعادة توزيع الثروة وتحل المدير الكفء (ولو لم يكن مالكاً) محل المالك الكبير أو محل العدد الصغير من الملاّك؟ وماذا عن اضطرار الرأسماليين إلى الرضوخ لمطالب النقابات العمالية برفع الأجور وتقصير ساعات العمل وتحسين ظروفه مما سمح للعمال، أكثر فأكثر، بالمشاركة في التمتع بطيبات الحياة؟ وماذا عن السياسات الكينزية التي دعت وأدت إلى تدخل الدولة لانتشال الاقتصاد من أزمته؟ وماذا عن دولة الرفاهية التي قامت في أعقاب الحرب الثانية لإعادة توزيع الدخل وتوفير الخدمات الضرورية للجميع؟”الخ.

لو نظر الاقتصاديون التقليديون إلى حال العالم الصناعي في منتصف القرن العشرين، أي بعد قرن من ظهور كتاب جون ستيوارت ميل “مبادئ الاقتصاد السياسي” الذي قدم فيه خلاصة الفكر الاقتصادي الرأسمالي، ومن ظهور “البيان الشيوعي” الذي تنبأ فيه ماركس وانغلز بسقوط النظام الرأسمالي، فما الذي كان يمكن أن يتعرف عليه هؤلاء الاقتصاديون من خصائص النظام الرأسمالي الذي عرفوه وتكلموا عنه؟ أين المنافسة الحرة وسط كل هذه الاحتكارات؟ وأين نظام الحرية الاقتصادية وسط كل هذه التدخلات من جانب الدولة؟ وأين سيادة المستهلك وسط كل هذه الضغوط وحملات الترغيب والتطويع التي يمارسها المنتجون لتشكيل رغبات المستهلكين وتوجيهها حيث يشاؤون؟ وماذا بقي من نظام السوق الحرة مع اضطرار الشركات العملاقة للتخطيط البعيد المدى لضمان استرجاع ما وظفوه من استثمارات ضخمة؟ ما الذي بقي من “النظام الرأسمالي” في ذلك الوقت؟ ملكية المشروعات ووسائل الانتاج ما زالت، في الأساس، ملكية خاصة، والحافز الموجه للاستثمار والانتاج ما زال هو حافز تحقيق أقصى ربح، ولكن هل الشكل القانوني للملكية (خاصة أم عامة) أهم أم مدى انتشار هذه الملكية بين أفراد المجتمع ومدى خضوعها لقيود تفرضها المصلحة العامة؟ وهل الأهم هو ما إذا كان الدافع وراء قرارات الاستثمار والانتاج حافز تحقيق أقصى ربح، أم خضوع توزيع الأرباح لإرادة طبقة التكنوقراط من مدراء الشركات الكبيرة أكثر من خضوعه لإرادة ملاّك الأسهم، وهو نظام قد يستوحي أهدافاً مختلفة عن أهداف هؤلاء الملاّك، وقد تشبه في بعض الأمور أهداف الدولة الاشتراكية كرفع معدلات التنمية مثلاً؟

المهم انه في منتصف القرن العشرين كان النظام الرأسمالي مختلفاً اختلافاً شديداً عما كان عليه قبل ذلك بمئة عام. وقد ظهر الكثير من الكتب الذي يحاول أن يلفت النظر إلى هذه التطورات المهمة، كتبه ماركسيون وليبراليون على السواء، فنشر الماركسيان سويزي وباران كتاباً في أوائل الستينات بعنوان “رأس المال الاحتكاري” لشرح ما حدث من تغيرات منذ ظهور كتاب ماركس “رأس المال” قبل مئة عام، ونشر الاقتصادي الكينزي غالبريث في أواخر الستينات كتاباً بعنوان “الدولة الصناعية الحديثة” أيضاً لشرح ما طرأ على النظام الرأسمالي من تغيرات. كانت التغيرات التي شرحها هؤلاء الكتّاب بالغة الأهمية والعمق، ولكن لا هذا ولا ذاك قال إن النظام الرأسمالي “قد سقط”، كما تنبأ ماركس، ولا اقترح هذا أو ذاك ان يسمى النظام الرأسمالي باسم آخر. إذ ما النفع الذي يمكن أن يعود من ذلك؟ بل حتى أشد الناس حماساً للرأسمالية لم يجدوا أي فائدة من ذلك، اذ من المفيد ان يظل الناس يعتقدون ان المنافسة الحرة ما زالت هي السائدة وليس الاحتكار، وان المستهلك ما زال هو السيد، وليس المنتج، وان المنتجين ما زالوا يعتمدون على قوة سواعدهم ولا يتكئون على الدولة كلما احتاجوا الى ذلك. بل من المفيد تضخيم الفوارق بين نظام الملكية الخاصة ونظام الملكية العامة، وتصوير الصراع بينهما على انه صراع بين الخير والشر، او بين الحق والباطل، اذ ان هذا التصور يؤدي خدمات جليلة لكلا الطرفين ويسهل مهمة حكم الناس في ظل هذا النظام او ذاك على السواء.

من المهم ان نلاحظ ايضاً ان هذه التطورات المهمة التي طرأت على النظام الرأسمالي وان لم تتخذ شكل الانفجار او الثورة، كما توقع ماركس، فإنها نتجت الى حد كبير عن نفس السبب الذي توقع ماركس ان يؤدي الى هذا الانفجار، وهو ازدياد التفاوت بين الدخول. اذ لا يمكن للنظام الرأسمالي، او اي نظام في الحقيقة، ان يحتمل اكثر من درجة معينة من هذا التفاوت، يصبح استمرار النمو بعدها مستحيلاً.

ومن ثم فإن كثيراً من هذه التطورات، وعلى الاخص ظهور دولة الرفاهية وزيادة تدخل الدولة لاعادة توزيع الدخل وتوجيه النشاط الاقتصادي، كانت وسائل ضرورية لتصحيح هذا التفاوت في الدخول ووضع حد له، وضماناً لاستمرار النمو وتخفيفاً من حدة الازمات الاقتصادية.

ثم جاءت الخمسون سنة التالية بتطورات جديدة في النظام “الرأسمالي” و”الاشتراكي” على السواء، وربما كان اهمها ما يتعلق بارتفاع معدل “العولمة”.

فتطور اساليب الانتاج وتقدم وسائل الاتصال ونقل المعلومات دفع بالانتاج والاستهلاك الى ان يصبحا “عالميين” اكثر من اي وقت مضى، وقد أدى هذا الى حدوث تقارب بين المعسكرين الشرقي والغربي، المسميين بالاشتركي والرأسمالي، اذ احتاج الاول الى تكنولوجيا الثاني، واحتاج الثاني الى اسواق الاول، فسقطت حواجز وجدران كثيرة وتغيرت حكومات مهمة. ولكن الى اي حد يمكن للمرء ان يتصور ان ما حدث هو انتصار لـ”الرأسمالية” على “الاشتراكية” بالمعنى الذي كان يفهمه ماركس وانغلز من هذين الوصفين؟ هل حلّت المنافسة الحرّة (وهي إحدى أهم الصفات المميزة للنظام الرأسمالي في ذهن ماركس) محل احتكار الدولة لملكية وسائل الانتاج ولاتخاذ قرارات الانتاج والاستثمار (وهي إحدى أهم الصفات المميزة للنظام الاشتراكي في ذهنه) أم أن الذي حدث هو حلول الاحتكارات الخاصة محل احتكار الدولة؟ هل عادت السيادة للمستهلك بدلاً من الدولة، في تحديد نوع المنتجات وكميتها، أم حلّت سلطة الشركات الخاصة محل سلطة الدولة في تطويع المستهلك واخضاعه؟ هل اختفى حقاً نظام التخطيط، أم حلّ تخطيط الشركات محل التخطيط الحكومي، وكلاهما بمعنى من المعاني تخطيط “مركزي” و”شامل”؟ هل انحسر دور الدولة حقاً وامتنعت عن التدخل في الاقتصاد ام استمر دورها مهماً وحاسماً ولكن في خدمة مصالح الشركات الكبرى خصوصاً عندما تتطلب هذه المصالح شن الحروب وتصريف الاسلحة؟

إن الكلام عن انتصار نظام على نقيضه، او عن انتصار الرأسمالية على الاشتراكية، بنفس المعاني القديمة التي كان يستخدم بها هذان المصطلحان، قد يؤدي الى التضليل اكثر مما يؤدي الى التنوير والتوضيح.

اذ لا “الرأسمالية” التي غزت الدول الشرقية لها شبه كبير بالرأسمالية التي وصفها الاقتصاديون التقليديون، ولا “الاشتراكية” التي سقطت حكوماتها، لها شبه كبير بالاشتراكية التي كان يتصورها ماركس وانغلز. ومع هذا لا يزال المتحمسون للنظام الرأسمالي او بالاحرى المتحمسون للنظام السائد حالياً في العالم الصناعي الغربي بقيادة الولايات المتحدة يجدون من المناسب جداً ان يستمروا في اطلاق نفس الاسم “النظام الرأسمالي” على هذا النظام الذي غزا الكتلة الشرقية، ولا يزالون يحبون ان يعتبروا ان الحكومات التي سقطت كانت تمثل “النظام الاشتراكي”، على رغم كل ما طرأ من تطورات على النظام الرأسمالي منذ كتب عنه ماركس والاقتصاديون التقليديون، وعلى رغم بُعد النظام الذي طبّقه الاتحاد السوفياتي السابق عما كان يتصوره ماركس وانغلز. بل ان سقوط الاتحاد السوفياتي قد لا يكون له الا علاقة واهنة بنوع النظام الذي كان يطبّقه، وقد لا يكون الأمر أكثر مما يحدث عادة عندما تتفوق القوة العسكرية لدولة على القوة العسكرية لدولة أخرى معادية لها، فسقوط الاتحاد السوفياتي قد لا يعدو ان يكون نتيجة لما اصاب دولة من ضعف وليس نتيجة لفشل نظام، كما ان استطاعة الولايات المتحدة فرض ارادتها على اوروبا الشرقية قد لا تعدو ان تكون نتيجة لتفوق عسكري وليس نتيجة لتفوق نظامها الاقتصادي والاجتماعي. وعلى اي حال فالذي سقط والذي انتصر ليس لهما الا صلة واهية للغاية بما كان يجري الحديث عنه منذ مئة وخمسين عاماً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق