مقالات

خبز وورود … اليوم العالمي للمهدور حقهن

خبز وورود كان شعار المظاهرات النسائية التي سادت نيويورك في العام 1908، آلاف النساء خرجن احتجاجا على ظروف العمل غير الإنسانية، ورغم أن الشرطه نجحت في تفريق المظاهرات إلا انها -المظاهرات- نجحت في دفع المسئولين إلى طرح مشكلة المرأة العاملة على جداول أعمال يومية كانت مطالب المتظاهرات عاملات النسيج هي تخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق التصويت.

بدأ الاحتفال بالثامن من مارس كيوم المرأة الأمريكية تخليداً لخروج مظاهرات نيويورك سنة 1909 وقد ساهمت النساء الأمريكيات في دفع الدول الأوربية إلى تخصيص الثامن من مارس كيوم للمرأة، وقد تبنت اقتراح الوفد الأمريكي بتخصيص يوم واحد في السنة للاحتفال بالمرأة على الصعيد العالمي بعد نجاح التجربة داخل الولايات المتحدة.

تخصيص يوم الثامن من مارس كعيد عالمي للمرأة لم يتم إلا بعد سنوات طويلة من اعتماده في أمريكا أوروبا، لأن منظمة الأمم المتحدة لم توافق على تبني تلك المناسبة أصدرت المنظمة الدولية قراراً يدعو دول العالم إلى اعتماد أي يوم من السنة يختارونه للاحتفال بالمرأة فقررت غالبية الدول اختيار الثامن من مارس، وتحول بالتالي ذلك اليوم إلى رمز لنضال المرأة تخرج فيه النساء عبر العالم في مظاهرات للمطالبة بحقوقهن ومطالبهن.

تناولت مواقع التواصل الاجتماعي المناسبة بعدة أشكال، ورغم اختلاف الآراء والطرح إلا أن المناسبة أصبح لها صدى في العديد من المستويات المجتمعية.

عادة تحديد أيام للاحتفاء بقضية معينة هي عادة حميدة وعلامة حضارية صحية، ونرى لها جذورا في مختلف الحضارات مثل أعياد الربيع مثلا في مصر، وفارس، وعيد النيل، وموالد الأنبياء والأولياء. كل هذه الأيام والأعياد تقام إحياء لذكرى قضية معينة وتوعية الشعوب بما كان وما يجب أن يكون.

الفارق بين يوم المرأة العالمي والأيام التي خرجت من ذاكرة الشعوب أمران: الأول، هو الهوية، فاليوم العالمي للمرأة نتاج حراك شعبي أمريكي تم تخليده وفرضه على العالم أجمع، بينما الأيام الأخرى قد خرجت من هوية الشعوب والتزمت بها الشعوب نفسها.

الأمر الثاني، هو التوجه والهدف، حيث أن اليوم العالمي للمرأة خرج من الحضارة الغربية التي تعتبر حقيقة الإنسان في الجانب المادي فقط وإهدار الجانب المعنوي، أو حتى عدم اعتبار أي كمال سماوي يمكن أن يساهم في الكمال الإنساني.

لا مانع من تحديد يوم عالمي للاحتفاء بأمر معين بل هو من الأمور المطلوبة لفتح آفاق أمام الشعوب لتتعارف وتتآلف، لكن الإشكال هنا هو أن يتم تحديد اليوم بشكل فردي من المجتمع الأمريكي والأوروبي الذي يتبنى وجهة نظر قاصرة ظلمت الحقيقة الإنسانية.

لا يحق للغرب أن يحدد لنا وجهتنا وأيامنا، ولا كيفية فهمنا لحقيقة الرجل والمرأة، بل يجب أن تخرج الرؤية من رحم هوية المجتعات وتحددها كما يطابق خصوصيتها الحضارية.

فنتيجة أن اليوم العالمي للمرأة خرج من عباءة الغرب أصبحت الحقوق المطلوبة للمرأة كلها حقوق مادية، فالغرب حين ينادي بحرية المرأة هو يحررها من الأسرة والأمومة ويكبلها بأغلال الرأسمالية والاستهلاكية. يضعها كعنصر تسويقي، فعندما نعود في الأصل إلى المظاهرات التي بدأت في نيويورك فهي قامت من أجل هذه الأمور التي مازالت تخضع لها المرأة في عصرنا الحالي. قضية عمل المرأة خرجت من حيز الرغبة في تطوير الذات إلي الضروره لأستقل بنفسي عن أي شكل اجتماعي فأنخرط في وظائف وأدوار تصب في النهاية في مصلحة النظم الرأسمالية. قيمة المرأة أصبحت قيمة شرائية ورقم في الإنتاج المحلي وليس قيمة إنسانية، صارت مستعبدة مثلها مثل الرجل. ونتيجة لذلك السباق المحموم لتحصيل لقمة العيش أصبحت الأسرة ضربا من ضروب الخيال العلمي ومسئولية عظيمة قد تهدد المسار الوظيفي. وحتى إذا تكونت الأسرة يقوم الأب والأم بتوكيل مؤسسات أخرى لتربية ورعاية أبنائهم، وتدب الغربة والوحشة بين أفراد المجتمع.

التمكين الحقيقي للمرأة يجب أن يكون عبر تمكينها من المنزل كأولوية، وليس تمكينها من الشارع، فمهمة الأمومة للأسف أصبح ينظر إليها بفعل الغزو الفكري بشيء من الاستخفاف والتهوين. بيد أنها أعظم مهمة للوجود، الأم  صانعة الرجال والقادة والمحاربات أصبح يشار إليها على أنها خادمة على هامش الإنجازات البشرية. إن أقسى عالم يمكن أن نتخيله هو عالم بلا أم. عالم بلا أنثى.

إن التحدي الحقيقي للمرأة فى زماننا هذا أن تستعيد دورها كأم فاضلة تصنع إنسانا يضيف قيما للمجتمع‘ أن تنخلع من استعباد وهيمنة النظام الغربي الذي يحدد قيمتها بما تستهلكه، أن تمتليء بكل المعارف والقيم التي تمكنها من إخراج أبطال إلى عالمنا، أن تجعل رحمها مقدسا فلاينجب إلا قديسين.

إذا كان لنا أن نقيم يوما عالميا للمرأة فلابد أن يخرج من هويتنا وثقافتنا، من نظرتنا إلى المرأة كموجود له نفس له كمالاته المعنوية وجسد له كمالات مادية، المرأة لدينا مهدورة الحق بشكل طاغي أو كما يقول المثل “حالها يصعب على الكافر”.

حق المرأة في التعلم المنضبط، تعلم العلوم المادية والمعنوية، حق المرأة في العمل، حق المرأة في اختيار الزوج المناسب، حق المرأة في الترقي في العمل، حق المرأة في إبداء الرأي في التجمعات الأسرية، حق المرأة في الإنجاب، حق المرأة في تربية أبنائها بدون تدخلات أسرية، حق المرأة في ارتياد الشوارع بدون مضايقات من المارة، حق المرأة في الطلاق من الزوج المختل، حق المرأة في أن يرث أبناؤها جنسيتها، حق المرأة في الميراث بعيدا عن التقاليد الشعبية والأعراف، حق المرأة في الزواج، حق المرأة في الفضيلة، حق المرأة في مساحة تمارس فيها خصوصياتها، حق المرأة في تشريع قوانين تدين من ينتهك آدميتها، حق المرأة في تجريم ومنع السلع التيتستخدم المرأة في الترويج لنفسها.

كل هذه وأكثر حقوق مهدورة في بلادنا أولى أن نهتم بها ونحارب من أجلها، كل هذه حقوق تلزمنا بها هويتنا وشرقيتنا وديننا فأولى أن تسير جهودنا الإصلاحية في ظلها لا أن نلهث وراء رؤية الغرب للإنسان.

الاحتفاء بإنسان أو قضية لا يكون ليوم واحد، بل هذا اليوم يكون بداية لتكريس عام مليء بمراسم وإجراءات تحيي دروسا مستفادة وتوصيات ضرورية، الاحتفاء بالمرأة لا يكون في يوم في السنة بل هو منهج إنساني لابد أن ننشر ثقافته في المجتمع. إن قدسية مانحة الحياة مثل قدسية الأرض تماما، وإن المجتمعات التي تهدر حقوق المستضعفين لابد وأن تصيبها لعنات السماء ويصيبها التكدير والهم وقلة البركة.

المرأة تعتبر من الفئة المستضعفة في المجتمع، شأنها شأن الأطفال والشيوخ. كل هذه الفئات في الحقيقة مهدور حقها في مجتمعاتنا الشرقية. فالأولى عقد عدة أيام لكل هذه الفئات، أيام للمفاهيم التي قتلها الظلم والجهل، يوم للوطن، يوم للثقافة، يوم للأسرة، ويتم تمجيد تلك الأيام من المؤسسات الحكومية وإجبار جميع مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة بتكريس طاقاتها لإحياء هذه الأيام ونشر الثقافات التي تعين على رفعة وسمو المجتمع.

اقرأ أيضاً:

الرجل والمراة من نفس واحدة فلماذا نرى اختلاف بينهما؟

التبكيت والمرأة – مناقشة حول قضية تحرير المرأة ومحاولة لكشف الحقيقة

أيها المسافر: هل فكرت جيداً في قرارك ؟

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق