فن وأدب - مقالاتمقالات

تأملات في رواية الحرافيش لنجيب محفوظ – عاشور وشمس الدين وسليمان

تأملات في رواية الحرافيش

“كان يتربع في الساحة أمام التكية مودعاً الغروب، مستقبلاً المساء، ينتظر انسياب الأناشيد ونسمة من نسائم الخريف معطرة بالبرد والأسى تنزلق من فوق السور العتيق تشد بذيلها طيفا من أطياف الليل. بدا عاشور متخماً بالسكينة ولم تشب له شعرة واحدة. كان يحمل فوق كاهله أربعين عاماً وكأنها هي التي تحمله في رشاقة الخالدين.” من رواية الحرافيش.

عاشور الناجي

هذه عادة عاشور الناجي التي استمد منها الحياة في الوقت الذي كان المعظم يستمد الحياة من البوظة والغرزة، كلما انتابه مرض ليس بجسده بحث عن علاج ليس بملموس في الساحة مع نجوم السماء وبراح الكون وأناشيد الدراويش، كان يجتهد في التأمل والتفكر والمناجاة، ويخلع نعل الدنيا ويتخلص من علائقها فيُصفّي الزهد عين قلبه، فيزوره شيء لا يراه ولكنه يشعر به، شيء كان يتفاعل مع روحه ويذيقه رشفة من عالم السماء،

ما كان لعاشور بأن يرشف هذه الرشفة إلا بسلامة فمه وخلوه من مرارة أو حلاوة زائفة تعيقه عن تذوق المشروب السماوي فكان بعيداً عن الخطايا، تزعجه، يخشاها ويخاف أن يرتكبها، نفسه تنفر منها ولا تتقبلها.

رغم قوته الفائقة وجسده العملاق رفض الانضمام لحاشية الفتوة وأبى أن يكون ركناً من أركان ظلمه على الحارة، فآثر السلامة واسترزق بالحق والحلال.

والسماء تحافظ على من يطيعها ويدور في فلكها، فعندما ضرب الطاعون الحارة والحواري المجاورة كان عاشور هو الناجي الوحيد، بحلم رآه لشيخه ومربيه يأمره فيها بالخروج من الحارة إلى الخلاء حتى انتهاء الهلاك.

وعندما عاد لم يجد أي مخلوق في الحارة، فارغة بلا حياة، فحركته شهوته لسكن دار البنان بتحفها وسجاجيدها المزركشة وملابسها الحريرية وحماماتها العجيبة وفراشها المريح لتتحول حياته وحياة زوجته وطفله إلى رفاهية الوجهاء.

فتوة الحارة

وعندما دبت الحياة مرة أخرى بالحرافيش كان عاشور يجود وينعم عليهم بخير دار البنان الكثير، حتى أحبوه لدرجة العشق ووقروه لدرجة التقديس، وكان كرمه وجوده على الحرافيش يزيل تأنيب ضميره على استيلائه على هذه الدار الفارغة، وعندما استوعبت السلطة حقيقة الدار الهالك أهلها، ألقت القبض على عاشور وسجنته وسط حصرة الحرافيش، وأما دار البنان وبقية دور الوجهاء الهالكون فذهبت لوجهاء أحياء ولمسئولين في السلطة نفسها!

لم ينقطع الحرافيش عن التفكير في عاشور الناجي طيلة مدة حبسه وعندما خرج من محبسه نصّبوه فتوة على الحارة.
أقام عاشور فتونته على أصول لم يعرفها أحد من قبل، رجع إلى عمله كسائق كارو وعاد لمسكنه القديم تحت الأرض وألزم أتباعه بعمل يرتزقوا منه ولم يفرض الإتاوة إلا على الأعيان الوجهاء لينفقها على الفقراء والعاجزين وحمى الحارة من عدوان الحارات المجاورة فنعمت بالعدل والأمان والحياة الكريمة وأما عاشور فلم ينقطع عن السهر في الساحة أمام التكية والدعاء كل ليلة.

يعطينا نجيب محفوظ درساً في كيفية تحقيق العدل في قصته الأولى من رواية الحرافيش، قصة عاشور الناجي الأول، وهو خروج الحاكم العادل من بين الحرافيش والتفاف الحرافيش حوله وإقامة الحكم على أسس عادلة وإعطاء كل ذي حق حقه دون تعدي على ملكية الآخر تحت مسمى العدل.
ثم اختفى عاشور ولم يعد ليصبح رمزاً للعدل الغائب في باقي الرواية والذي سيعود مع حفيده الأخير.

شمس الدين عاشور الناجي

شمس الدين عاشور الناجي، الحكاية الثانية من الحرافيش، يعطينا محفوظ عدة دروس من حكيها، الأول هو إرادة النصر وتحدي الصعاب عندما وقف شمس الدين البعيد كل البعد عن الفتونة وعلاماتها ليتحدى أقوى الخلفاء لأبوه ويهزمه رغم ضعفه الظاهر وقوة الخليفة ورغم استهزاء الناس به وبجماله وبشاشته وبساطة جسده، فيتم تنصيبه فتوة على الحارة.
ثم يعطينا نجيب درساً من القضية التي لا تستوعبها ذواتنا الضيقة، فشمس الدين يطبق الفتونة العادلة الزاهدة من أجل مجد شخصي وسمعة يرجوها وليس من أجل نبل القضية نفسها أو إرضاء رب السماء كما كان يـبغي أبوه، فوقع شمس الدين في صراع نفسي أرهقه نتيجة حرمانه من الحياة الكريمة والرفاهية والوجاهة، تلك الحياة التي تتعارض مع أصول الفتونة التي أقامها عاشور الناجي على الزهد والفقر، فعاش في أنانية لها صفَّا أسنان متقابلان يلتهمانه وهما المجد والرفاهية، فتبني القضايا النبيلة يكون لأناس سحقت أماني ذواتهم وطافت حول حرم السماء.

ولم تنتهِ آلام شمس الدين النفسية مع مرور الزمن بل كانت تزيد، فعندما ظهرت علامات الشيب عليه من شعر أبيض وتجاعيد صُعق من الخوف على قوته إذا ذهبت، إنه كان يحمل قوة يخفيها تواضع جسده، ظن أن قوته ثابتة أبدية لا نهاية لها، تمرد على قوانين الطبيعة فما زاده تمرده إلا هماً، انشغل باله وعقله ووجدانه بقوته التي تتهاوى فتهاوت بشكل أسرع نتيجة الضغط النفسي،

كل الأمور المتغيرة إلى زوال

وفي أحد المرات علم أن أتباعه يتصارعون مع فتوة وأتباع حارة أخرى فآلمه الموقف وحرك غضبه على عدم استشارة أتباعه له وقيامهم بهذا الفعل من ورائه، هم أرادوا له السلامة نظراً لسنه وصحته، وهو لم يقدر ذلك واعتبر الأمر إهانة لمقامه!

فأخذ نبوته وانطلق إلى موقع القتال وقاتل بكل شراسة مع أتباعه الذين تضاعفت قوتهم عندما رأوا فتوتهم أمامهم يقاتل بشدة، فانتهت المعركة بانتصار شمس الدين ورجاله، وبينما هم عائدون إلى الحارة يغنون ويهتفون باسم فتوتهم البطل الشجاع الذي يتحدى قوانين الزمن فإذا به يسقط صريعاً ميتاً، فقد استنزف كامل طاقته الموزعة على سنواته القليلة المقبلة فلم يجد الجسد طاقة بداخله فتهاوى.

كل الأمور متغيرة وإلى زوال إلا الآمر فهو وحده الثابت الأبدي، ومن أراد أن يعيش سعيداً بلا آلام فعليه أن يتعلق بما هو ثابت وأبدي وليس بما هو متغير وزائل.

سليمان الناجي الحفيد

سليمان الناجي، الحفيد الذي انقلب على دستور العدل الذي طبقه جده وأبيه، الموهوم الذي اشترى التروماي، المذنب الذي ظن أنه يستطيع مراوغة الشيطان بنيل الشهوة دون خطيئة، المتطفل الذي دخل الخمّارة قانعاً نفسه بالمشاهدة دون شرب وعندما شرب أقنع نفسه بشرفة واحدة لمجرد التذوق وعندما تذوق أقنع نفسه بالشرب الأدنى دون السُكر وعندما سكَر فقد كل شيء.

جذبته الأمور المُزينة فتنازل عن الأمور الأصيلة، طلّق زوجته الأصيلة ليتزوج بالمُزينة وطلّق معها أصول الفتونة العادلة وغرق في بحور المال واللذات والتجارة والوجاهة ومصاحبة الوجهاء ونسى الحرافيش ومحق رضاهم من أجل رضاء أصحاب المال وسمح لرجالة بالاستيلاء على أموال الفتونة ولن يترك للحرافيش سوى كسرات تلاشت مع الوقت، كل هذا تم بالتدريج وباستعمال مبدء مفاده أن قليلاً من التنازلات لن يضر، ولكن التنازلات في النهاية تدخل في عملية جمع نتيجتها أبعد رقم سالب.

هلاك الحفيد

انتهى به الأمر في جب سحيق من اللامبالاة وفي بحر لا أرض له من سُكر الدنيا حتى تدمرت حياته الدمار المنطقي الدرامي الكلاسيكي الذي يليق بكل فاسد، ضاعت الصحة وتعقبها ضياع الفتونة وهرب الابن الأكبر بسبب كيد زوجة ابنه الأصغر ووقع الابن الأصغر في نفس فخ حياة أبيه مضافاً له سذاجة وعبادة امرأة وفشل في مباشرة العمل،

وهربت الزوجة بعد سوء سيرتها وسلوكها، فلم يجد سليمان ملجأً له سوى ابنة الأصول زوجته الأولى ليقضي معها أيامه الأخيرة قبل وفاته، ثم شُيّع في جنازة مهيبة لم تخلو من لعن الحرافيش وشماتتهم وتذكرهم لعبر الوجود والدنيا من مصير فتوتهم الهامد داخل تابوته.

ولحرافيش نجيب محفوظ حكايات أخرى سأحاول استمداد العبر منها في مقالات أخرى.

اقرأ المزيد:

رواية 1984 .. كيف نصنع بالتفكير واقعاً مغايراً 

كيف نحكم على جمال وقبح أي رواية ؟

عندما يدافع الفن عن قضية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق