مقالات

حالة الطبيعة: كل ما يحيا يسعى نحو السيادة

على غرار فيلسوف العلم المعاصر “كارل بوبر” الذي قال في كتابه “بحثا عن عالم أفضل”: “إن كل ما يحيا يبحث عن عالم أفضل”، يعيد كاتب هذه الكلمات صياغة هذا القول ليتناسب مع مستجدات العصر وتفسيرات الأفعال البشرية، وليصبح مكملا لشعار بوبر، حيث إن ملاحظة سلوك الكائنات الحية ومحاولة تفسير الأفعال البشرية تؤكد أن كل ما يحيا على هذه الأرض يبحث عن عالم أفضل ويسعى نحو السيادة.

فالسيادة عزيزي القارئ الكريم هي مطلب الصغير قبل الكبير وهدف الرعية قبل أن تكون هدف الحكام، فجميعنا يسعى نحو السيادة بطريقته الخاصة وفق قناعاته وأيديولوجيته وميوله وأهدافه وسياسته، بل هناك أيضا من يسعى نحو السيادة وفق موضوعية يدعيها أو حياد يزعمه أو منهج علمي يلتزم به.

 مفهوم السيادة :

السيادة في اللغة العربية تعني رفعة القدر والمكانة وشرف المنزلة وتدل على أن فلان سيد قومه وكبيرهم، فهو مفهوم يدل على الغلبة والقوة والمنزلة.

والسيادة في أحد معانيها الاصطلاحية عرفت بأنها: “السلطة العليا المطلقة التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال”.

لكننا في هذا المقال نناقش موضوع السيادة بشكل مختلف عن مفهومها المعاصر الذي اقتصر على سيادة الدولة أو سيادة القانون أو سيادة الحاكم، فنتناول السيادة في مفهومها الواسع الذي يشير إلى سعي جميع الكائنات الحية إلى الغلبة والهيمنة والقوة، حيث تختلف أشكال السيادة من كائن لآخر ومن مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخرى ومن سياق لآخر.

وإذا تناولنا هذا الشعار: “كل ما يحيا يسعى نحو السيادة” بشيء من التفصيل فالمقطع الأول منه “كل ما يحيا” يشير إلى جميع الكائنات الحية على وجه الأرض، البشر والحيوانات والنباتات، فجميع المخلوقات _من إنسان وحيوان ونبات_ تسعى إلى السيادة والسيطرة على جميع ما عداها من مخلوقات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى الكائنات وحيدة الخلية تبحث عن عالم أفضل وتسعى نحو السيادة أيضا.

أما المقطع الثاني من هذا الشعار: “يسعى نحو السيادة” فيشير إلى العمل والجد والاجتهاد، سواء بعامل الفطرة والغريزة أو بعامل العقل،  للوصول إلى شيء من الغلبة والهيمنة وضمان البقاء.

الكائنات الحية والسعي نحو السيادة:

سعي الإنسان

إن محاولة الإنسان السيطرة على البيئة المحيطة به وتسخيرها وتعبيدها واستغلالها لصالحه في قضاء حاجاته وتأمين حمايته الهدف منها التمكين لبقائه هو وبني جنسه فترة أطول على هذه الأرض وفي ظل هذه البيئة.

فصنع الإنسان منازله في الجبال، وصنع من الأحجار والأخشاب أدواتا وأسلحة يدافع بها عن نفسه ضد المخاطر التي قد يتعرض لها، واكتسى بأوراق الأشجار وجلود الحيوانات، واكتشف النار والطهي والزراعة.. إلخ، كل هذا سعيا منه لسيادة هذه الأرض ومن ثم إعمارها.

وعلى مر العصور تطور سعي البشر نحو السيادة فأصبح هناك أنواع من السيادة، كالسيادة السياسية والسيادة الفكرية والثقافية والسيادة الدينية والسيادة الاقتصادية، والبطريركية والأبوية والهيراركية، وغيرها من أنواع الهيمنة والغلبة.

سعي الحيوانات

أما عن الحيوانات فنضرب مثلا بحياة الغاب، حيث البقاء للأقوى وصاحب القدرة الأكبر على السيطرة والهيمنة، فمن ناحية محاولة التغلب على قساوة البيئة ومقاومة الظواهر الطبيعية حفاظا على بقاء النوع، ومن ناحية أخرى مقاومة أعدائه من الحيوانات الأخرى التي تهدد بقاءه أو تسعى إلى سلبه كل أو بعض صلاحياته السلطوية على المراعي أو على الفرائس أو على الإناث، وإلا ما كنا شبهنا حالة الفوضى وعدم سيادة القانون بحالة الطبيعة، تلك الحالة التي يسعى جميع من فيها إلى الاستحواذ على كامل الصلاحيات على حساب الآخرين، إما بالسيطرة عليهم أو إفنائهم.

سعي النباتات

وإذا تطرقنا إلى نوع من أنواع سعي النباتات نحو السيادة نجد أنها تشبه في كثير من الوجوه سعي الإنسان والحيوان نحوها، حيث يسعى النبات الأكبر حجما في القضاء على ما هو دونه من الحشائش والنباتات، فيسلبه جزءا كبيرا من مائه وغذائه الموجودان في التربة خلال امتصاصه لهما، كما يمنع وصول ضوء الشمس إليه بسبب ضخامة حجمه وكثافة فروعه وأوراقه.

وفي المقابل هناك بعض النباتات رغم صغر حجمها إلا أنها قادرة على الفتك بما هو أكبر منها حجما؛ خلال الالتفاف حول ساق الأشجار والنباتات والضغط عليه لمنع وصول عصارة غذائها إلى باقي الفروع والأوراق مما يؤدي إلى ذبول تلك الأشجار والنباتات ومن ثم موتها.

إن كل ما يحيا يسعى نحو السيادة؛ فالسيادة هي الغاية والهدف الذي في سبيل امتلاك مقاليدها تبرر الوسائل، وتفعل الكثير من الرذائل، ويتم التخلي عن الفضائل.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

طمع الإنسان مفيد أحيانًا.. لكن بشرط!

البقاء “للخِيار” الأقوى!

براديغما المجتمعات في عالم اليوم!

الوسوم
اظهر المزيد

د. وائل صبره

عضو هيئة تدريس بجامعة سوهاج، مدرس الفلسفة ومناهج البحث كلية آداب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق