اقتراحات الموقعمقالاتمنطق ومعرفة - مقالات

تيار المفاهيم

(1)

يستيقظ على صوت صريخ زوجته فيقوده غضبه إلى اتجاه مصدر الصوت ليتساءل بوجه عابس وبصوت حاد عن سبب هذا الصراخ فتوضّح له زوجته الأمر، فالابن تأخر عن موعد مدرسته بسبب لامبالاة يستمدها من تصفح هاتفه الذكي، انطلق الأب نحو ابنه وضربه بشدة وأخذ منه الهاتف ودفعه بعنف في الحائط ثم ألقاه من شباك الغرفة.

يقود سيارته متجهاً إلى عمله، هو يحب الصخب أثناء القيادة ويزعجه الهدوء داخل السيارة، عندما يجلس على المقعد ويبدء بالتحرك في الشوارع تتحرك بداخله طاقة وحيوية يقوم بتفريغها بالسير سريعاً وأخذ “الغرز” على الطريق واستخدام آلة التنبية بفائدة وبدون فائدة وتشغيل المذياع بصوت مرتفع مما يزعج الآخرين في الإشارات التي يقف فيها، في هذه السيارة الضيقة التي تُقيد حركة جسمه يمتلكه شعور عالٍ بالحرية!

وبمجرد وصوله لمكتبه وجد الفراش والسكرتير يتشاجران بسبب سوء جودة مشروب قدمه الفرّاش للسكرتير، السكرتير وبّخ الفرّاش بشدة تصل للإهانة فلم يتحمل الفراش ذلك ورد بحدة فشعر السكرتير بإهانة قادمة من طبقة متدنية فزاد من إهانته وزاد الفراش من حدته إلى أن وصل المدير وقرر أن يخصم 100 جنيه من مرتبهما، عاد السكرتير لعمله وكأن شيئاً لم يكن واجتاحت عاصفة من الغيظ والقهر قلب الفراش معلنة عدم انتهائها إلا بعد انتهاء الشهر بدون ضائقة مالية قد تحدث بسبب الخصم.(2)

وبتحليل ما حدث في يومه العابر هذا، نجد مجموعة من المفاهيم هي من صنعت سلوكياته هذه: فما فعله مع ابنه راجع لمفهوم في عقله وهو “التربية تعني معاقبة الطفل على أي خطأ يفعله” وما فعله في سيارته راجع لمفهوم الحرية عنده بكونها ” فعل الإنسان لكل ما يريده” وما فعله مع موظفينه راجع لمفهوم العدل عنده بكونه  “المساواة في كل شيء”!

ولكن ثمة أسئلة يجب طرحها على مفاهيم هذا الرجل التي قادته لهذه الأفعال: هل تصرفه مع ابنه يخدم تربيته له؟ هل تصرفاته أثناء القيادة تعتبر استثمارا صحيحا لمفهوم الحرية؟ هل معاقبته للفراش والسكرتير تمت بعدل؟
هل مفاهيم هذا الرجل مفاهيم صحيحة؟

التربية هي إعداد إنسان يمتاز بالسلامة النفسية والجسدية والفكرية والأخلاقية، وأما الحرية فشرطها عدم التسبب في أذى للآخرين، والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه (يعني مراعاة الكفاءة والاحتياج واللذان يختلفان من شخص لآخر)

إن مفاهيمنا هي التي تُشكل رؤيتنا للأمور وتحدد أهدافنا وتبني أفعالنا، فضروري بذل جهود واسعة في بناء مفاهيم سليمة برهانية قائمة على التأمل وقواعد المنطق كي تكون رؤيتنا سليمة في هذا الكون وعندما تكون رؤيتنا سليمة سنحدد أهدافاً واقعية صحيحة تحقق لنا السعادة الحقيقية فتكون أفعالنا قويمة.
من الضروري أن نضع دائماً المفاهيم المشهورة ومفاهيم هوى النفس على ميزان قواعد المنطق ونحذف الخاطئ منها ولا نسير مع التيار إلا إذا كان التيار يسير في الاتجاه الصحيح.

اقرأ أيضا:

فيلم “المستعصية” عندما يكون الاختلاف مبررًا للقتل

الجهل المركب وثقافة الموت .. عندما يغيب العقل!

رموز الخير الأمريكي الفطري… “بومبيو” والتنمر السياسي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق