قضايا وجودية - مقالاتمقالات

تعليم شاومينج و تربية الأسطورة

تأتى على كل إنسان لحظات يضعه فيها القدر أمام اختبار، ذلك الاختبار الذى يكشف أول ما يكشف هى طبيعة الإنسان نفسه، بين من يتكاسل ومن يتخاذل ومن يفر ومن يقدم، من لا يرى أبعد من طرف أنفه ومن يرى دربه أمامه ظاهرًا ولو امتد إلى أبعد من مرمى بصره، بدءًا من اختبارات بسيطة كإخبار والدك بحقيقة كسرك لساعته المفضلة مثلًا، انتهاءً إلى اختبارات كبرى كالصمود فى وجه الباطل معلنًا الحق ولو لفظك المجتمع والأقربون، وكما النفس الإنسانية تكون المجتمعات الإنسانية، فيوضع المجتمع أمام اختبارات عديدة للصعود نحو الحق أو التهاوى نحو الباطل، وكما الفرد الذى يتعالى بالسعى نحو المبادىء والمعرفة ويتسافل بالانقياد للشهوات والجهل، فينساق للفشل فى الاختبار تلو الآخر ما انفك يدور فى فلك الجهل بنفسه وغاية وجودها، كذلك المجتمع الذى يهوى فى قاع الفشل تلو الفشل، ما دامت رؤيته لذاته وحقيقتها مشوشة مشوهة، فمع انتهاء امتحانات الثانوية العامة الجديدة قد تجلى لنا فشل جديد للمجتمع، فشل مستمر منذ الأزل فيما يتعلق بركن من أهم أركان أى مجتمع وهو التربية والتعليم، حيث ظهرت عبثية المنظومة التعليمية مع تسرب الامتحانات عن طريق ما أطلق عى نفسه شاومينج، كما ظهرت هشاشة المنظومة التربوية لدى المجتمع مع مسارعة الأهل والطلبة للبحث عن تلك التسريبات، دون أى ذرة تردد أو لوم أو تأنيب نابعة من وازع ضمائرهم، وللبحث فى أى معضلة يذهب العقل دومًا إلى التساؤل بحثًا عما يروى ظمأه للحقيقة، ذلك التساؤل التى صاغته الفلسفة أو عملية التفكير دومًا فى صورة تساؤلات ثلاث، من أين؟ وفى أين؟ وإلى أين؟.

“وزارة التربية والتعليم .. يعنى التربية عندنا قبل التعليم” كم منا لم يسمع تلك الجملة الخالدة على لسان أحد معلميه؟ تبدو تلك الجملة أحيانًا وكأنها ضمن المناهج التعليمية، ولكن هل حقًا تقدم لنا المنظومة التعليمية التربية كما توحى الجملة؟ بالنظر إلى الغاية من التعليم -فعليًا- فهو سباق يلهث فيه الطالب لجمع أكبر قدر ممكن من الدرجات التى تمكنه من الالتحاق بما يطلق عليه كليات القمة، تلك الكليات التى فى الأغلب تفرز إما من يعمل خارج نطاق ما تعلمه أو يُصدم بأن ما تعلمه علاقته بسوق العمل واحتياجاتها ضعيفة، بينما لا وجود لأى مناهج تربوية فى المنظومة التعليمية برمتها؛ لذا تصبح البنية التربوية قائمة على التجارب الشخصية المدعومة بشكل كبير بالفن والأدب، وهنا نتطرق إلى ذلك الخلاف حول المسلسل المعروض حاليًا (الأسطورة)، حيث يرى البعض أن ذلك الدعم لقيم القوة (البلطجة) قادر على إفراز جيل جديد لا يؤمن سوى بالقوة وأهلها، بينما على الجانب الآخر تجد من يرى أن فى ذلك مبالغة ولا يمكن تحميل المسلسل فشلًا كاملًا للمجتمع، والحقيقة تكمن بين هذا وذاك إذ أن التردى الأخلاقى كما أسلفنا إنما هو نتاج غياب عملية التربية ضمن المنظومة التعليمية، وقد عمق ذلك التردى ما يقدمه كلًا من الفن والأدب من تعظيم لقيم النفعية والفهلوة وحق القوة والتغلب وتمييع الحقائق والقيم، فلا يمكن النظر إلى (الأسطورة) كطائر يغرد وحده، وإنما هو سرب كامل من الأعمال التى تعلن صراحة “الأخلاق والطيبة مبتأكلش عيش” و”محدش هيجيب حقك غير دراعك”، وتنتهى تلك المعزوفة النشاز عند أحد الضلوع الهامة فى العملية التربوية وهم علماء الدين، الذين انقسموا بين من اكتفى من الدين ببعض المضامين العامة دون تعميقها، ومن لم يرى من الدين سوى نسخة ظاهرية تبعد يومًا بعد يوم عن حقيقة الدين، ليظهر تمامًا غياب أصول التربية وأدواتها عن مجتمعنا الذى يصرخ يومًا بعد يوم من فشل جديد أمام اختبار يعريه أمام الحقيقة الواضحة للعيان، من ضرورة وجود أساس تربوى يرتقى بالمجتمع من شريعة الغاب إلى مجتمع إنسانى فاضل.

من أين؟
وبالعودة إلى التساؤل الذى يطرح نفسه قبل أى خوض فى غمار ما أظهرته التسريبات من عوار فى المجتمع، فمن أين أتت الحاجة إلى التعليم فى المجتمع؟ وهو التساؤل الذى يجب طرحه بعد إدراك حقيقة وجوب وجود مجتمع إنسانى بالأساس، فالإنسان هو ذلك الكائن الحى العاقل الذى يدرك دومًا حاجته إلى الكمال -ولو على المستوى الحاجات المادية-، وقد أدرك استحالة قدرته على إشباع جميع حاجاته المتنامية من مأكل ومشرب ومسكن، فعمل على أن يتكامل مع غيره بالاجتماع، فكانت المجتمعات الإنسانية التى فيها كان التزاحم، فاحتاج الإنسان إلى التربية والتعليم لضمان الحفاظ على السلم المجتمعى والتكامل الروحى والمعنوى للإنسان، بل وحتى التكامل المادى للمجتمع والتقدم الحضارى، لذا فكانت حاجة الإنسان ماسة إلى الأخلاق والعلم على حد سواء، أملًا فى أن يصل المجتمع إلى كماله بتكامل أفراده ضمن منظومة عادلة أساسها الحكمة والمعرفة، فتأتت الحاجة إلى التربية والتعليم من الرغبة فى استمرار التكامل الإنسانى.

إلى أين؟
حيث نبحث ههنا عن الغاية من التربية والتعليم، والتى قد أسلفنا ذكرها من الحاجة إلى التكامل الإنسانى، وهذا التكامل لا يكون فقط بأن يسخر الكون له، فلا صعود الفضاء يكفى ولا الغوص إلى أعماق المحيطات يجدى دون وجود منظومة أخلاقية تروض نفسه لتحقيق غاية المجتمع فى الكمال بإقامة العدالة بين أفراده، تلك العدالة التى أول ما تقوم فى الفرد نفسه، ولا يمكن لها أن تقوم فى الفرد إلا بالتربية، التى بها تتسامى نفس الإنسان فيلجم بقوى عقله شهواته ورغباته وغضبه، فكانت الغاية من التربية والتعليم هى تنشئة أفراد ذوي حكمة ومعرفة بالطبيعة والكون والخالق، وذوي قدرة على السلوك نحو الحقيقة والقيم الأخلاقية، تلك الحكمة التى لا تكون بالتلقين والحفظ ولا تكون إلا بالقدرة على التأمل والتحليل والنقد، وذلك السلوك الذى لا يكون إلا عن معرفة ووعى وإدراك تام بالإنسانية وغايتها، وذلك كله يتقوم بالعقل وقدرته الفريدة لدى الإنسان على التفكير وتحصيل العلوم المختلفة، العقلية منها والعلمية التجريبية والسلوكية المعرفية.

فى أين؟
لما كان العقل هو المستهدف من التربية والتعليم فكان الاهتمام بالتفكير هو الطريقة المثلى للارتقاء بالإنسان؛ لذا كان تصدر قوانين عملية التفكير طبيعيًا؛ لذا وجب أن تكون لدراسة المنطق الأولوية القصوى، فبه يستقيم الفكر وتتقوم المعرفة ويعرف الإنسان نفسه، ومن ثم دراسة المناهج المعرفية وحجيتها بدراسة نظرية المعرفة أو ما تعرف باسم (الإبسمتمولوجى)، ومن ثم دراسة الرياضيات والتعمق فيها إذ بها ينقاد العقل للحقيقة وحدها متخليًا عن أى هوى لنفسه، فما أن يفرغ الإنسان انكب على الطبيعيات ينهل منها كيفما استطاع، إذ بها يكون هذا الاتصال بين المجرد والمادى، ويكون بها القدرة على السعى المادى والتقدم التجريبى، ولكن لا يجب أن ينسينا كل هذا أن نستهدف العملية التربوية بدراسة النفس الإنسانية وكمالاتها الأخلاقية، وانعكاس تلك الدراسة على المجتمع فى صورة أطروحات أخلاقية لإدارة المجتمع وحاجاته، وفى الختام دراسة الوجود بما هو موجود، تلك الدراسة التى بها يدرك الإنسان حقيقة نفسه وحقيقة ذلك النظم البديع من حوله، فتكون الدراسة لا لتحصيل الدرجات بل للمعرفة الحقة التى ترافقها السعادة والوعى بالمجتمع وأهمية كل أجزائه، فيكون المجتمع كله نتاج منظومة تعمل وفق غاية التكامل الفردى والكمال المجتمعى، تلك المنظومة التى تكون التربية فيها جزءًا أصيلًا لا يتجزأ ولا يُهمل، ويكون العلم خدمة للمجتمع ماديًا وفكريًا ضمن قواعد واضحة للتفكير المنتج، فيكون كل من الفن والإعلام والأدب والسياسة قادرًا على العمل والإنتاج ضمن تلك المنظومة بالتأثير والتأثر، لينتهى كل ذلك إلى مجتمع فاضل يقوم ويتقوم بعدالة ووعى أفراده.

الوسوم
اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق