فن وأدب - مقالاتمقالات

تراب الماس .. الفيلم به سم قاتل

تراب الماس : نظرة تحليلية لهذا الفيلم

طه حسين الزهار شاب يعمل في صيدلية في محيط سكنه ويعيش مع والده القعيد مدرس التاريخ، وفي إحدى الليالي ينهي طه عمله ويعود إلى بيته، فيجد والده قد وقع من على كرسيه المتحرك وقد قُتل!

ويتعرض طه في الدقيقة نفسها لضربة على رأسه تُدخله في غيبوبة، ثم يفوق من غيبوبته بعد أسبوع ليجد نفسه في المستشفى مكتئباً وجهازه العصبي قد تأثر بالخبطة، يرجع طه إلى بيته ويبدأ في التفتيش في أوراق والده ليحل هذا اللغز، فيتفاجأ بمزيد من الألغاز!

يعود الفيلم بنا إلى خمسينيات القرن الماضي، والد طه المقتول حسين الزهار، في طفولته كان يعمل عند عم ليتو اليهودي تاجر الماس صاحب والده -جد طه- عم ليتو يعامله مثل ابنه ويخبره بسر خطير هو “تراب الماس” الذي يتم وضعه في الشاي؛ فتموت الضحية خلال شهر بشكل طبيعي وبدون أي شبهة جنائية، تحت مبرر “أوقات بنضطر نعمل غلطات صغيرة علشان نصلح غلطة أكبر”

الطفل حسين الزهار يقتل عم ليتو بنفس أسلوبه “تراب الماس” وبنفس مبرره “نعمل غلطة صغيرة علشان نصلح غلطة أكبر” عندما يعلم بكونه جاسوساً لإسرائيل، وتونا حب الطفولة بنت عم ليتو تهاجر هي وأسرتها مع اليهود التاركين لوطنهم الأم، الحالمين بدولتهم الجامعة غير الشرعية.

ولكنها السينما

تتدافع أيام حسين الزهار والد طه، يصبح شابّاً، لا يتم قبوله في الكلية الحربية، يدرس التاريخ في كلية الآداب، يستدعوه للتجنيد فيحارب في حرب 67، يموت عبد الناصر، يحكم السادات، معاهدة السلام مع الصهاينة، تونا حبيبته التي تركت مصر وهاجرت لإسرائيل، والتي كانت مجندة في جيشها في حرب 67 تأتي في زيارة لمصر ضمن وفد صهيوني،

ليقابل حسين حبيبته بريئة الملامح لآخر مرة في حياته ثم يعيش طيلة عمره يتذكر هذا الحب، مشهد حب غير مبرر وقصة حب ليس لها أي علاقة بالسياق الدرامي، بل وتستفذ مشاعرنا كعرب وتجعلنا نطرح سؤالاً مهمّاَ، ما هي معايير الحب؟

الحب العقلاني هو القائم على المشتركات الفكرية بين الحبيبين، وهذا ما لم يراعيه حسين الزهار الذي لجأ لتطبيع علاقة مع بنت أقل ما يمكن أن يقال إنها عدوة له، ولكنها السينما التي تجعل العدو صديقاً والمجرم بريئاً!

التجرد من القيمة والهدف

بعد الانفتاح الاقتصادي في مصر ومعاهدة السلام بين السادات والكيان الصهيوني، يتزوج حسين ثم يسافر الخليج مع مَن سافر، “ورجعنا بالفلوس بس سيبنا روحنا هناك” اقتباس من كلام حسين يوضح نتيجة سفره، اقتباس به دلالة على التغيير الفكري والسلوكي الذي أصاب قطاعاً كبيراً من الشباب المصري في هذه الحقبة التاريخية؛ حيث تجرد من أي قضية أو هدف نبيل وأصبح كائناً مادياً مستهلكاً بعيداً عن المعنويات، وكل همه جمع الأموال!

ثم تضيع الفلوس في شركات توظيف الأموال ليصاب حسين بشلل سفلي نتيجة جملة تحمل الكثير من الدلالات والرمزية وهي “خطأ طبي غير مقصود”

ويعيش بعد ذلك على الدروس الخصوصية، شلَلُه جعله يبحث عن أمر يسليه؛ فقام بعمل لا أخلاقي وهو التلصص على البيوت المجاورة من خلال نظارة معظمة، فيتجلى المجتمع أمامه بأسراره وفساده وظلمه وجرائمه، في رمزية تجعلنا نسأل صناع الفيلم لِم لا يوجد أي خير ولو عابر على نظارة حسين الزهار؟!

يقرر الزهار أن يكون هو القاضي الذي يحكم، والجلاد الذي ينفذ، ومن وجهة نظره كل الجرائم التي شاهدها بنظارته كانت تستحق الإعدام بنفس الطريقة، يقابل الجاني، يضع له تراب الماس في الشاي وينتظر شهراً ليسمع خبر وفاته.

حظه السيئ أوقعه في شر أعماله، يتلصص في يوم على جاره الذي يمتلك محلّاً، ولكنه يبيع فيه مخدرات بشكل سري، والذي يمد جاره بالمخدرات هو ضابط كبير فاسد، يصل طه ابنه ويفتح مصباح الضوء، فالظابط يلاحظ حسين الجالس بنظارته المُكبرة على كرسيه المتحرك خلف نافذته، فيرسل له من يقتله.

من يضع القانون ومن يطبقه؟

هل يليق بأي أحد أن يفعل ذلك؟، أم أن هذه المهمة لا بد أن يكون لصاحبها صفات معينة ومعرفة معينة وأخلاق معينة ويكون مختاراً بعناية شديدة؟

هذا هو السؤال الفلسفي الذي طرحه الفيلم والذي جاوب عليه بتوقعات مخيبة للآمال!

وما هو الحل الأنسب للتعامل مع برجاس البرلماني الفاسد؟ من وجهة نظر حسين الزهار قتله بتراب الماس، ولكن الأمر الهام الذي يجب أن نقف عنده ونحلله هو نتيجة قتل برجاس، كانت فوضى مؤقتة سد فراغها في نهاية الفيلم ابنه هاني برجاس الذي ينتمي لنفس العقلية، بل ويتبع النمط الغربي في كثير من مفاسده، الفاسد الأنيق الذي فضّل صناع الفيلم سلامته في النهاية!

إن العقل يختار الخيار الأقل ضررا، الفساد أقل ضرراً من الفوضى، وإذا كان لا يعجبك وضعاً معيناً؛ فتمتع يا سيدي بالإمكانيات الفكرية والمعرفية والمادية التي تجعلك قادراً على تغيير هذا الوضع وإدارته بشكل أفضل، أمّا أن تخلق فراغاً في إدارة الوضع يؤدي للفوضى في الوقت الذي تكون فيه عاجزاً عن الإدارة فهذه حماقة ثورية، ونتيجة هذا الفراغ الفوضوي يأتي الجاهز ليدير، والذي غالبا يكون منتمياً لنفس عقلية مَن قبله وربما أسوء.

هل تراب الماس هو الحل الوحيد؟

“لازم اللي تحت يراقب اللي فوق” جملة قيلت على لسان حسين الزهار توضح مبرره في أفعاله، والأعلى هو مَن يحكم والأسفل هو المحكوم، ولكن إذا كان مَن بالأسفل هو الأقل علما وفهما وأخلاقا فليس من حقه أن يراقب لأنه ليس الأعلم، والعقل يقول الإدارة للأعلم، أما إذا كان مَن بالأسفل هو الأكثر علما وفهما وأخلاقا فمكانه الطبيعي أن يكون في الأعلى، في قمة السلطة!

في لحظة معينة في الفيلم ستشعر أن “تراب الماس” الحل الوحيد، لأن في تلك اللحظة سينجح صنّاع الفيلم في إقناعك بأن الدنيا غابة، ستشعر أن عالم تراب الماس هو شر محض بلا أي خير، الحق المتجسد في آسر ياسين – طه الزهار- ضعيف عاجز بلا حيلة، بائس يائس، مجبور على تغيير الفساد وإلا سيسحقه الظابط الذي قتل والده، وخطته في التغيير هي “تراب الماس” وهي خطة غير منطقية ولا أخلاقية كما أوضحنا.

العالم ليس شرّاً محضاً، وصاحب الحق ليس ضعيفاً يتماشى مع ما فرضه العالم عليه، العالم وإن كان به شرور فما زال به خير له أصحاب أشداء يرفعون رايته وإلا انتفى الغرض من الخلقة، والخير سيعم كل أرجاء الأرض في يوم يعلمه الله ليكتب النهاية السعيدة لجنسنا البشري، هذه الحقيقة التي أقرتها الفلسفة الإلهية وعلى صناع السينما أن يعلموها، عليهم أن يتحملوا مسئوليتهم الفكرية والأخلاقية قبل أي شيء.

اقرأ أيضاً :
بحب السيما – ما هو حال الفن والإعلام بشكل عام و السينما بشكل خاص ؟

رسالة الفن… بيـن ما هو كائن وما ينبغي أن يكون

دورمامو والطبيب “الأوبرمنش” – مناقشة فلسفية لتحليل أحداث وشخصيات الفيلم

شاهد أيضاً:

ما وراء السينما.. فيلم تراب الماس

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق