علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

الاستبقاء

الفطرة التي جُبل عليها الناس تقتضي تفعيل خاصية المروءة والنخوة، وبقاء أواصر الصِّلات وتقويتها وكامل الود أو حتى بقاياه، حتى لا تذهب المعاني الإنسانية سدى وينفرط عقدها بين البشر.

يتضح استبقاء الود في العمل على التحسين الدائم لصلة الأرحام والوصال، سواء على مستوى الأسرة الواحدة أو العائلة الذي يمتد إلى الأصدقاء الحقيقيين، ولا تقتصر صلة الأرحام على الأفراد الذين تربطهم معنا علاقات طيبة فقط، لكن –وهو الأهم– معاملة قُساة القلوب منهم الذين يقطعون أرحامهم بكل رأفة ولين واحترام وهذا قمة النُبل، لعلهم يثوبون إلى رُشدهم.

الأديان السماوية بل والقوانين الوضعية تدعو إلى تقوية الوشائج بين الناس ووضع الدعائم المتينة لها، ومعالجة الشقوق ورأب الصدع والتماسك حتى يقوى المجتمع ولا يكون عرضة للتفكك والانهيار.

الود والرحمة في القرآن الكريم

من أعظم ما ورد في القرآن الكريم الوفاء وعدم نسيان الفضل والمعروف للآخرين، ومحاولة رد الجميل والمسارعة بالعطاء والبذل لاتقاء شُح النفس، وتذكر الخير دائمًا والجوانب المشرقة في حياة الناس.

يظهر الاستبقاء جليًا بالانفصال بعد الخِطبة بترك الشاب الفتاة أو العكس، فتدخل الأهالي في مشكلات ومشاحنات وتلاسُن: هل يحصل الشاب على ما أحضره، وما مصير الهدايا الثمينة؟ هل يأخذها أو يتغاضى عن بعضها؟

واستبقاء المحبة تتجلى بعد الزواج باستحالة العِشرة بين الطرفيْن أو الوصول إلى مرحلة الطلاق في حالة تأزُّم الأمور، بعدم نسيان المعروف أو الجحود ونكران الجميل والمعاملة الطيبة، وهذه الأخلاق تعمل على دوام التواصل ونزع الغِل والكُره.

والأمثال الشعبية العامية لها أساس، فهي مأخوذة من حياة الناس وواقعهم، فمثلًا عندما سُئل معاوية بن أبي سفيان: كيف حكمتَ الشام أربعين سنة رغم القلاقل والأحداث السياسية؟ فأجاب إجابة تدل على ذكائه وحكمته في اتخاذ القرارات وخبرته بدهاليز الحكم والسياسة: “لو كان بيني وبين الناس شَعْرة لما انقطعت، إن شدُّوها أرخيتها وإن أرخوها شددتها”. فلا بد إذًا من فهم الواقع لاستبقاء الأمور الطيبة والرجوع إلى الفضيلة والأصول الثابتة في نفوس الفرد والمجتمع.

التحلي بالأخلاق الحميدة في المعاملات

المعاملات من الأمور التي لا يستغني الناس عنها، مثل البيع والشراء والأخذ والعطاء، فالحق والعدل يتصف بهما الإنسان السوي العادل الذي لا يأكل الحقوق، فيأخذ ماله ويؤدي ما عليه.

وفي حالة وجود خلافات في وجهات النظر والمفاهيم ينبغي عدم العناد واللجج بكظم الغيظ والعفو والصفح، وامتلاك الأخلاق والتحلي بالصفات الحميدة، والبعد عن الغدر والخيانة ونقض العهد، وأداء الأمانة وعدم الخيانة بأكلها والاستيلاء عليها بأي حال، وكذلك أن يتعود الشخص احترام الكلمة واجتناب الكذب تلك الصفة الذميمة التي ليس لها مبرر، وبصفة عامة البعد عن سوء الخلق لأن ذلك يُفسد العمل كما يُفسد الخل العسل.

غياب الود والرحمة في الحُكم

من قراءتي للتاريخ أكاد أجزم بعدم استبقاء الود والرحمة إلا في النذر اليسير بعد وصول الحاكم إلى سُدّة الحكم، سواء عن طريق الديمقراطية والاقتراع أو الشورى، أو السطوة والقوة، سواء بقتل المعارضين أو الزجّ بهم في غياهب السجون أو المطاردة والتشتيت، تستوي في ذلك المناطق والدول والأيدولوجيات في العالم جميعها وعلى مر العصور.

عدم استبقاء الاحترام والود والإحساس بالنقص والدونية واضح وضوح الشمس في رابعة النهار عند الاحتلال الإسرائيلي، فبعد احتلال أرض فلسطين ضيقوا عليهم لدرجة الاحتياج إليهم في العمل وكثير من لوازم الحياة الضرورية.

من هنا من الطبيعي أن يتعامل اليهود بالحسنى مع أصحاب الأرض الأصليين أصحاب الموارد والمقدرات والحضارة العريقة والتاريخ الضارب في جذور الزمن، لكن يحدث العكس تمامًا فيطلق أصحاب القرار في دولة الاحتلال قطعان المستوطنين كالبهائم السائمة عليهم بإيذائهم جسديًا ومعنويًا وماديًا، وازدرائهم وخنقهم ومعاملتهم بالسوء والحقارة لإكمال نقصهم وإشباع ساديتهم وإرضاء غرورهم.

مقالات ذات صلة:

القيم الخُلُقية وصناعة المعرفة العلمية

الزواج هكذا يجب أن يكون

من نشر هذه الأفكار؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. وائل زكي الصعيدي

خبير مناهج وطرق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها/ جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية

محاضر في: جامعة الدراسات الأجنبية كلية العلوم الإسلامية الصينية / بكين – الصين

دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

ماجستير في أدب الأطفال، ودبلوم خاص في المناهج وطرق التدريس، رئيس قسم الموهوبين بإدارة ميت أبو غالب التعليمية دمياط سابقاً

عضو اتحاد كتاب مصر