علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

الوحدة قوة والتشرذم ضعف ووهن

ثقافتنا ما بين التقدم والتخلف

ما نراه اليوم من مستجدات وأمور مستحدثة طرأت على مجتمعاتنا لأمر يثير العجب العجاب، لماذا؟ لأننا كنا مجتمعات ذات حضارات تعلي قيمة العلم والعلماء، مجتمعات تدعو للفضائل ومكارم الأخلاق آخذة بأسباب العلم ورافعة رايته،

نقلت الكثير من معارفها لحضارات و مجتمعات أخرى منها المجتمعات الغربية التي كانت تعيش في ظلام دامس فترة العصور الوسطى. ثم ومع بدايات القرن السادس عشر عصر النهضة الأوربية وعصر الثورة الصناعية والتحرر من قيود السلطة الدينية التي استغلتها السلطة السياسية أسوأ استغلال، بدأت تلملم شعثها وأخذت في النهوض والتقدم بل وأحدثت أنواعا من الصحوة العلمية.

وقد أحدثت ثقافتنا تأثيرا لا يمكن إنكاره من الأندلس حتى الصين، مرورا بالكثير من دول العالم في شتى فروع العلم والمعرفة، فمن الطب والفلك والكيمياء والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والفنون والعمارة والزخارف.

ثم تقهقرنا إلى الخلف وبدأنا في الانهيار على كافة المستويات الثقافية والحضارية والعلمية، بل وصرنا ناقلين مقلدين، فبعد أن كان الجميع يتعلم منا صرنا نقلد، نقلد الموضة وقصات الشعر وفساتين السهرات وغيرها من الأمور التي لا تناسب ما تربينا عليه من قيم وفضائل.

أي ضعف وصلنا له؟

وهنا لا نلقي باللائمة على أحد لا نقول الغرب أرادنا كذلك، لا! أنت بوعي أو بغير وعي الذي أردت ذلك، فعلى الرغم من محاولات الغزو الثقافي ونقل الثقافات الغريبة لنا كمنتج حديث أفضل مما نملك فنحن من تخلينا عن ثوابتنا وقيمنا التي كانت سببا في رفعتنا وتقدمنا، وقفنا منبهرين أمام التقنيات الحديثة -ويجب التأكيد على أننا لا نرفض التقنية الحديثة وثورة المعلومات- ولكن الذي نرفضه الانقياد الأعمى دون رؤية أو تؤدة.

الغرب يغازلنا بمغرياته المادية ونحن نتغزل فيما يغازلنا به، بل ونرقص معه حيث يرقص، فحدث ما حدث من فقدان للوعي الثقافي وفقدان للهوية العربية وأصبحنا أشباها للغرب في حياتنا وفي لغتنا وفي عاداتنا وتقاليدنا، وهذا ما كان يحلم به الغرب! أن يضعك في غربة عن ذاتك في حين أنه يعلم ذاته تمام العلم.

ولعل سائل يسألنا لماذا كل هذا وما السبيل إلى عودتنا لسيرتنا الأولى؟ أقول كل إنسان يحب وطنه ويحب عروبته ويحب دينه وقيمه وثوابته أيا كان هذا الدين لابد أن يسأل نفسه هذا السؤال ويلح في السؤال، بل ويقف طويلا ويفكر في سيكلوجية هذا السؤال، لماذا وكيف صرنا وكيف الخلاص من هذا الوهن والضعف الذي أصاب مجتمعات العرب؟

وأي ضعف هذا الذي وصلنا له! فشياطين الإنس يخططون للاستيلاء على مقدراتنا وعلى أراضينا وعلى قدسنا ومقدسنا الحبيب، وسط حالة من الخنوع واللامبالاة لما يحدث وحتى إذا عبر عن رفضه يرفض من طرف خفي، يخشى أن تصيبه تهم الرجعية والتخلف ورفض التغيير والسلام.

كيف يكون الحال ونحن نربي أبناءنا على الفضائل والدفاع عن القيم؟ ماذا عن الثوابت التي تربينا عليها؟ كيف وماذا سننقل لهم منها ولم يعد في البقية شيء؟ ارفعوا الحجاب عن أبصاركم وبصائركم، فلا يمكن أن يكون الحق باطلا في نفس الوقت، ولا الباطل يتغير ويتبدل ليصبح حقا في يوم من الأيام.

القضايا الحقة لا تموت

التاريخ يوضح لنا عبرا غاية في الأهمية والتي توضح لنا أن القضايا الحقة لا يمكن أن تموت بمرور الزمن، تلك الحقائق التي حملها المفكرون والعلماء ودافعوا عنها وأقاموا الدلائل على سلامة قضيتهم، هؤلاء بالدرجة الأولى نوعية مختلفة من المفكرين، هم من طراز فريد يحملون هم المجتمع والأجيال مدركين لأبعاد ما يعانيه المجتمع من مشكلات، لا يقفون موقف المتفرج ولا الناقد،

بل لهم الدور الأبرز في إيجاد الحلول المتوافقة من الإمكانيات ومتماشية مع مقتضيات الزمان والمكان، لا يرفضون التقدم والحداثة، لكنهم على علم بعمق حضارتهم وأصالتها ومبانيها الفكرية والقيمية السليمة، يدركون الفرق بين الفكر الأصيل النابع من حضارة راسخة في التاريخ تحمل من القيم ما تستطيع أن تجابه به في شتى مجالات العلم، لم تغريهم الحضارة الغربية بمغريات زائفة وشعارات رنانة، فهم على علم بالفرق بين الخبيث والطيب.

كل ذلك من دواعي الوحدة بين المجتمعات، فدائما العلم والقيم الإنسانية والقضايا المحقة هي جامعة للناس والمجتمعات، كما أن الجهل وغياب القيم وضعف الهوية أو زوالها لهو من مسببات الفرقة والتشرذم.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

عندما تتخذ المجتمعات قرارات كارثية

يحكى أن – كيف تغير لون بشرتك

براديغما المجتمعات في عالم اليوم

اظهر المزيد

أ. د. عادل خلف عبد العزيز

أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى