اقتراحات الموقعقضايا وجودية - مقالاتمقالات

النسل الأكاديمي و الكلمات

لماذا نخشى الكلمات؟

لماذا نخشى الكلمة المكتوبة أكثر من الكلمة المنطوقة؟ ما هي تلك القوة التي تكتسبها الكلمات المكتوبة والتي تفتقدها الكلمات الأخرى؟ لقد رأينا من يحرق الكتب ورأينا من يحبس الكتب في خزائن عملاقة ليمنع الناس من الإطلاع عليها.

لقد رأينا من تهددت حياته بسبب الكلمات التي كتبها، ورأينا عوالم تتغير وحضارات تموت وأخرى تنشأ بفضل كلمة أو سطر أو حتى صفحة نقشت في غرفة مظلمة على ضوء شمعة خافتة خائفة مرتجفة. هذه الكلمات غيرت مسار العالم من أفلاطون وأرسطو مرورا بسيسرو وماركوس أوريليوس ولا ننسى توما الأكويني وابن رشد وابن سينا والكندي والفارابي وابن الهيثم والخوارزمي وفريجة وماركس وهيجل وإنجلز وبرتراند راسل و… إلخ.

كل هذه الكلمات المكتوبة التي ما زلنا نقرأها أو نبحث عنها في يومنا هذا وتؤرق نومنا من كثرة تفكرنا فيها وما زالت تلعب دور هاما في حياتنا إلى اليوم. ربما نخاف أكثر من المكتوب إذا لأن المكتوب يعبر حاجز الزمان.

الكلمات في محاورة فايدروس

انتقد سقراط الكلمات المكتوبة في محاورة فايدروس عندما استعرض أسطورة ≪تحوت≫ إله الحكمة المصري، وكان عبقريا صاحب اختراعات ونظريات علمية. وقد توجه تحوت للملك ليعرض عليه آخر اختراعاته وليناقش معه آخر نظرياته. وكان من ضمن ما عرضه عليه اختراع الكتابة، فقال له ≪هاك أيها الملك معرفة ستجعل المصريين أحكم وأكثر قدرة على التذكر، لقد اكتشفت سر الحكمة والذاكرة≫.

فلقد كان تحوت يرى أنها ستساعد الإنسان على التذكر وتعلمه الحكمة. لكن الملك ومعه سقراط كان لهما رأي مختلف، حيث رأى الملك أن ما قدمه تحوت للناس لن يساعدهم على التذكر بل سينتهي بهم لضعف التذكر. وبينما يعتقد تحوت أن ما يقدمه هو الحكمة، رأى الملك أن ما يقدمه هو مظهر الحكمة لكن ليس الحكمة نفسها. ورأى أن تمرينهم على تلقى المعلومات بدون استيعاب وفهم لن يجعلهم حكماء بل سيكونوا أشباه حكماء أو متمسحين في رداء الحكمة لكن لا يرتدونه حقا، ذلك أن الحكمة تكتسب بالفهم والتحليل لا بالتذكر والحفظ. 1

التأمل والبحث

بالطبع تمسنا هذه الكلمات في صميم تفكيرنا وتتناغم مع تصورنا عن أسباب فشل التعليم المعتمد على التلقين والحفظ فقط. ونرى كيف أن الموهبة العلمية والفنية الحقيقية الفذة ربما تنمو في بيئات أكثر رقة ولطفا بعقل الإنسان، فلا تقحم المعلومات فيه بغير هوادة وعلى غير هدى أو بدون ترتيب متقن. بل إن البيئة التي تنمي قدرات الإنسان لا بد أن تنسجم مع طبيعته المتأملة التحليلية، وبصراحة قلما نجد في هذه الدنيا جمالا يضاهي جمال التأمل والبحث العقلي في حقائق الأمور. إنه إحساس شخصي ونبيل يتكون بين طالب العلم والعلم نفسه عندما يستوعب العلم بالشكل الصحيح وهو شعور لا يمكن وصفه لكن يمكن تجربته دون شك.

سقراط

يرى سقراط في محاورته أن الرجل الذي يترك رصيدًا هائلًا من الكتابات قد ترك وراءه طفلا يتيما لا يعرف النطق ولا يجد أباه الذي يفهمه جيدا ويعرف ما يريده بحركات يده وإشارات جسده. فالكتابات والمؤلفات التي لا صاحب لها يدافع عنها ≪تنتقل من اليمين ليسار بغير مبالاة…≫ وتساق لمن يفهمون ولمن لا يفهمون. وليس لدى هذا الطفل اليتيم القدرة على تحديد من يتجه إليه ومن يمتنع عن التوجه إليه. وإن الحديث المكتوب في هذه الحالة عندما ينتقد أو توجه إليه ≪…أصوات المعارضة ويحتقر ظلما يصبح في حاجة لمساعدة مؤلفه …لأنه لا يقدر على الدفاع عن نفسه≫2  فلا يجد من يساعده أو يدافع عنه.

ثم يفرق بين هذا النوع من الكتابة ونوع آخر يصفه أنه ≪…ذلك الحديث المصحوب بالعلم المنقوش في نفس الرجل الذي يدرس…”3  فهو ليس بحديث يتيم بل له أب يدافع عنه ويوجهه لحيث ينبغي أن يوجه ويمنعه من الوصول لمن لا طائل من مناقشتهم ومحاورتهم. نجد هنا أن سقراط ووجهة نظره في الحديث المكتوب وكونه يفتقر للقدرة على إقامة الحجة الواضحة في وجه كل المعارضين نتيجة لافتقاره للنفس المدركة لمعانيه الحقيقية –نجد هذا يتفق مع الرؤية العقلية لآلة النص والتي ترى أن النص بكل قوته ومهما كانت قدسية مصدره فإنه سيصل لأقصى حدوده في التوثيق وهو كونه قطعي الصدور… كما في النصوص المقدسة الموثوق في أنها صدرت عن مصادرها بغير تحريف أو تلاعب.

بين المدارس المختلفة

ولكن حتى هذه النصوص اليقينية الصدور لن تصل لدرجة يقينية الدلالة والمعنى. أي أن النصوص في عمومها وكقاعدة أساسية تحتاج لتفسير معناها المقصود. وهنا لا بد من التسليم بأن الأدرى بالمعنى المقصود سيكون كاتب النص نفسه ومؤلفه ثم يليه من تتلمذ على يده ونقل عنه التفسير المقصود بالأمانه العلمية اللازمة للوثوق مما نقله. تعتبر تلك النقطة هي المحك بين المدرسة العقلانية (ولا علاقة للعقلانية هنا بالعقلية المثالية) والمدارس النصية. ولا عجب أن تكون تلك الأزمة ظهرت على مر العصور في المدارس الفكرية المختلفة.

أخص هنا بالذكر المدرسة الفيثاغورسية والتي بعد موت فيثاغورس انقسمت للماثيماتيكوي (mathematikoi أو القانونية أو التعاليمية) والأكوسماتيكوي (Acousmatikoi أو المسموعاتية). واهتمت المسموعاتية بقواعد فيثاغورس التي تصف أسلوب الحياة الصحيح والسلوكيات الدينية السليمة ولكنها على الرغم من محاولتها الحفاظ عل تراث فيثاغورس إلا أنها اعتبرت كل مقولاته نصوصًا مقدسة. والواضح من هنا اهتمامهم بالنص وإهمالهم للفكرة من وراء النص، وهو نفس ما عناه سقراط حينما قال أن النصوص ظاهر الحكمة لا الحكمة نفسها.

التعليم كبذر البذور

أما التعاليمية فأخذت تعاليم فيثاغورس على أنها مدرسة تعلم أسلوب البحث والدراسة وتحليل الحقيقة للوصول للمعاني فنبغت في الفلسفة والموسيقى والرياضيات وعلم الفلك. ومِن المهم هنا الإشارة إلى أن المدرسة المسموعاتية والتي كان الكل يصنفها على أنها أحد المدارس الفيثاغورسية، كانت ترفض الاعتراف بالتعاليمية واعتبرتها مدرسة منشقة عن الفيثاغورسية وأنها تحيد عن تعاليم فيثاغورس الأصلية. ولربما وجدنا نعرات مشابهة في يومنا الحاضر في بعض الثقافات والحضارات.4

بالعودة لسقراط ومحاورة فايدروس، أشار سقراط إلى أن الرجل صاحب العلم والحكمة يشبه المزارع. فالمزارع الماهر الذي يمتلك بذور جيدة لن يقوم ببذرها في أي أرض وفي أي وقت في السنة لأنها لن تجد البيئة الملائمة لتنمو فيها على نحو صحيح. ولكنه كشخص ماهر ملم بتفاصيل صنعته سيختار التربة المناسبة والفصل المناسب ليبذر البذور. ثم بعد أن تنمو سيعتني بها ويرويها ويساعدها على النمو والإثمار؛ ليسعد بجنى ثمارها بعد أشهر من التعب والمجهود.

كذلك يجب أن يكون الرجل صاحب الحكمة، فهو لا يملك بذور المعرفة فقط بل يعرف في أي العقول يصلح أن تغرس، ويمتنع عن غرسها في العقول غير الصالحة. وإن مثل هذا الرجل لن يذهب مجهوده وتعبه بلا ثمرة كمن ينقش على الماء، بل على العكس لأنه لا يزرع الحدائق ليتسلى بجمالها فقط بل لكي تثمر عقولًا جديدة وتفرز أجيالًا مبدعة ومبتكرة يجدر أن تنسب إليه كنسبة أولاده الشرعيين. 5

النسل العقلي والكلمات

إن هذا هو النسل الذي يجب أن يفتخر به الرجل… فنحن لسنا مثل سائر الحيوانات وليس أقصى ما نقدر عليه هو أن نقدم للمجتمع نسلًا جينيًا يشبهنا بل لربما يتفوق علينا في جمال المظهر والجسد. فلعلنا نجزم أن في مسابقة الجمال الظاهري لربما كان للحيوانات بجمالها وريشها وفروها وتناسق ألوانها فرصة أكبر في الفوز علينا. لكن الإنسان يستطيع أن يمنح الكون والمجتمع نوعًا آخر من الجمال لا يقدر عليه غيرنا من الكائنات وهو جمال دفين غير ظاهر لا يتعلق بالجسد وحالاته وألوانه بل بالعقول ومدى تعمقها وإنتاجها المبدع في عالم الأفكار والمفاهيم و الكلمات والنظريات. هذا النسل العقلي هو ما يستحق أن نحارب من أجله وأن تسعى الحضارات أن تنتجه بدلا من سعيها في تعظيم الشهوة واللذة المادية في كل جوانب الحياة.

مراجع

1-  أفلاطون، ترجمة وتقديم: أميرة حلمي مطر،≪محاورة فايدروس لأفلاطون أو عن الجمال≫ ، صـ 109-111، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة (2000).

2- نفس المصدر السابق، صـ 111.

3- نفس المصدر السابق صـ 112.

4- S. Marc Cohen, Patricia Curd, C. D. C. Reeve, “Readings in Ancient Greek Philosophy From Thales to Aristotle”, 4th ed. p. 18, 21, Hacket Publishing, Indianapolis, (2011)

5- المصدر الأول، صـ 112-113، 115

 

اقرأ أيضا:

الحقيقة البشعة

كوكب الأرض – البيان التأسيسي

 الرجل الباكي..يجب أن نسقط اللآلئ

الوسوم
اظهر المزيد

حسن مصطفى

مدرس مساعد في كلية الهندسة/جامعة الإسكندرية

كاتب حر

باحث في علوم المنطق والتفكير العلمي بمركز”بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث”

صدر له كتاب: تعرف على المنطق الرياضي

حاصل على دورة في مبادئ الاقتصاد الجزئي، جامعة إلينوي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق