إصداراتمقالات

النبى سامح

“ليلة امبارح حصلت لي ظاهرة غريبة وأنا عند الأهرامات بالليل فوجئت بنور يظهر لي وقوة خفية شالتني وطرت في السماء. وفجأة لقيت نفسي في الأقصر في معبد الكرنك ولقيت كتير من قدماء المصريين قدامي بيصلوا للإله حورس وقدامهم رمسيس الثاني وقالوا إنهم أنبياء الاله حورس عبر التاريخ. وفجأة نفس القوة الغريبة دي حملتني للسماء وفوجئت بأنني أمام الاله حورس وقالّي كلام كتير طلب مني إني لا أقوله لأحد لأنها أسرار سماوية. بعدها نزلت الى الأرض ووجدت نفسي في بيتي مرة أخرى. حتى الآن مش قادر أتخيل اللي حصل وباقول يمكن يكون حلم أو وهم. لكن شاهدت في رحلتي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وعرفت أسرار كونية خطيرة مش ممكن أقولها لحد. المجد لحورس في الأعالي وسبحان حورس العظيم” هكذا يصرح (سامح أبو عرايس) مدعى النبوة الذى لم يلبث أن أوضح مقصده وأظهر نواياه في تصريح آخر “وتلاقي اللي بيقولإني مجنون علشان قلت اني تلقيت وحي من حورس تلاقيه هو نفسه بذات نفسه مؤمن إن محمد تلقى وحي من الله ونزل عليه جبريل في مغارة أو إنّ مريم حملت وولدت وهي عذراء وإن ربنا تجسد في ابنها أو إن ابراهيم تلقى وحي من ربنا قال له يذبح ابنه. واللي شايفينإنّ قصة حورس وست اسطورة مقتنعين عادي إن قصص آدم والخلق وشق البحر قصص حقيقية. بالذمة مش شايفين تناقضكم؟؟ أنا ممكن اتقبل النقد أو الاتهام بالجنون من شخص مش مؤمن بالأديان أصلا وبالتالي شايفإني باخرّف. لكن تبقى مؤمن بأشياء أنا شايفها خرافات وفي نفس الوقت بتسخر من كلامي يبقى انت متناقض مع نفسك لكن مش شايف التناقض. بص لنفسك في المراية وفكر” ليطرح تساؤلا قد يبدو له مستحدثًا ولم يخطر على قلب بشر من قبل، فيظن أن النبوة هي تلك القصص والروايات التي يرويها كتاب سماوي يصدقه العقل دون أن يجرؤ على البحث في حجيته، لذا كان واجبًا أن يُطرح ذلك المبحث كما تقره القوانين العقلية، فيبدأ بالتساؤل حول وجوب وجود النبوة؟ لينتقل بعدها إلا صفات هذا النبي الصادرة من غاية وجوده انتهاءً إلى حجيته انطلاقا من تلك الصفات والبراهين التي اتصف بها.

فبالحديث عن وجوب وجود النبي يصبح التساؤل حول غاية هذا الوجود، وهو ما تحدث عنه واحد من أشهر رافضي النبوة في التاريخ الإسلامي (أبو بكر الرازي)، فيتساءل “من أين أوجبتم أن الله أختص قومًا بالنبوة دون قوم وفضلهم على الناس وجعلهم أدلة لهم وأحوج الناس إليهم؟ ومن أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك ويُشلى بعضهم على بعض ويؤكد بينهم العداوات ويُكثر المحاربات ويهلك بذلك الناس! الأولى بحكمة الحكيم ورحمة الرحيم أن يُلهم عباده أجمعين معرفة منافعهم ومضارّهم في عاجلهم وآجلهم ولا يفضل بعضهم على بعض فلا يكون بينهم تنازع ولا اختلاف فيهلكوا. وذلك أحوط لهم من أن يجعل بعضهم أيمة لبعض فتصدق كل فرقة إمامها وتكذب غيره ويضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف ويعم البلاء ويهلكوا بالتعاديوالمجاذبات. وقد هلك بذلك كثير من الناس كما نرى”[1]، وهو ما دعا (أبو حاتم الرازي) للرد عليه “ألست تزعم أن البارئ جل جلاله حكيم رحيم؟ فهل ترى الحكيم فعل بخلقه هذا الذي تزعم أنه أولى بحكمته ورحمته، وهل احتاط لهم فألهم الجميع ذلك وجعل هذه الهبة عامة ليستغني الناس بعضهم عن بعض وترتفع عنهم الحاجة إذ كان ذلك أولى بحكمته ورحمته؟ إنا لا نرى في العالم إلا إمامًا ومأمومًا وعالمًا ومتعلمًا في جميع الملل والأديان والمقالات من أهل الشرائع وأصحاب الفلسفة التيهي أصل مقالتك. ولا نرى الناس يستغنى بعضهم عن بعض بل كلهم محتاجون بعضهم إلى بعض غير مستغنيين بإلهامهم عن الأيمة والعلماء، لم يُلهموا ما ادعيت من منافعهم ومضارّهم في أمر العاجل والآجل بل أُحوجوا إلى علماء يتعلمون منهم وأيمة يقتدون بهم وراضة يروضونهم. وهذا عيان لا يقدر على دفعه إلا مباهت ظاهر البهت والعناد. فهل يستوي الناس في العقل والهمة والفطنة أم لا؟ كيف تجيز هذا وتدفع العيان؟ وإنا نرى ونعاين أن الناس على طبقات وتفاوت مراتب ولست تقدر على دفع ما اتّفق الناس عليه أن يقولوا: فلان أعقل من فلان وفلان عاقل وفلان أحمق وفلان أكيس من فلان وفلان كيّس وفلان بليد وفلان لطيف الطبع وفلان غليظ الطبع وفلان فطن وفلان غبي. ومن دفع هذا فقد كابر وعاند. وإذا ثبت هذا فقد وقعت الخصوصية… أوليس قد أثبت بهذه الدعوى المراتب والدرجات وأثبت أن يكون في الناس عالم ومتعلم وإمام ومأموم وأن بعضهم تعجز فطنته عن فطنة غيره وإن اجتهد؟ أوليس قد انكسر عليك قولك الأول؟ ولعمرى أن هذا هو أشبه بالصواب وأثبت. وإذا ثبت هذا وجاز أن يكون في الناس عالم ومتعلم وإمام ومأموم وأن تكون فيهم مراتب ودرجات جاز أن يختص الله بحكمته ورحمته قومًا ويصطفيهم من خلقه ويجعلهم رسلًا إليهم ويؤيدهم ويفضلهم بالنبوة ويعلمهم بوحى منه ما ليس في وسع البشر أن يعلموه ليعلموا الناس ويرشدوهم إلى ما فيه صلاح أمورهم دينًا ودنيا ويسوسوا الخلائق بمثل ما نرى من هذه السياسة العجيبة التي يرتاض عليها الخاص والعام والعالم والجاهل والكيس والبليد ويستقيم أمر العالم بهذه السياسة التي نشاهدها بالشرائع التي شرعوها واستغنى بها البليد غليظ الطبع عن النظر في دقائق العلوم الفلسفية التي يتحيرون فيها وتبهر عقولهم ويعجزون عن ضبطها وإن اجتهدوا”[2]، وهو ما بينه ابن سينا تبيانًا جليًا فيقول: ” من المعلوم أن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لايحسن معيشته لو انفرد وحده شخصًا واحدًا، يتولى تدبير أمره من غير شريك يعاونه على ضرورات حاجاته، وأنه لابدّ أن يكون الإنسان مكفيًا بآخر من نوعه، يكون ذلك الآخر مكفيًا به وبنظيره، فيكون مثلًا هذا ينقل إلى ذلك، وذلك يخبز لهذا وهذا يخيط للآخر والآخر يتخذ الإبرة لهذا، حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيًا، ولهذا ما اضطروا إلى عقد المدن والاجتماعات… وإذا كان هذا ظاهرًا، فلابدّفي وجود الإنسان وبقائه من مشاركة، ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة، كما لابدّفي ذلك من سائر الأسباب التي تكون له، ولابد في المعاملة من سنة وعدل. ولابدّ للسنة والعدل من سانٍّ ومُعدل، ولابدّ أن يكون هذا بحيث يجوز أن يخاطب الناس ويلزمهم السنة، ولابد من أن يكون هذا إنسانًا. ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم في ذلك، فيختلفون ويرى كل منهم ماله عدلًا وماعليه ظلمًا. فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع الناس ويتحصل وجوده أشد من الحاجة إلى إنبات الشعر على الأشفار وعلى الحاجبين، وتقعير الأخمص من القدمين، وأشياء أخرى من المنافع التي لاضرورة إليها في البقاء، بل أكثر مالها أنها تنفع في البقاء، ووجود الإنسان الصالح لأن يسنّ ويعدِل ممكن، كما سلف منا ذكره. فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضي تلك المنافع ولاتقتضي هذهالتيهي أسها، ولا أن يكون المبدأ الأول والملائكة تعلم ذلك، ولا تعلم هذا. ولا أن يكون مايعلمه في نظام الأمر الممكن وجوده، الضروري حصوله لتمهيد نظام الخير لايوجد، بل كيف يجوز ألايوجد وما هو متعلق وجوده ومبنى على وجوده موجود؟ فواجب إذًن أن يوجد نبي وواجب أن يكون إنسانًا، وواجب أن يكون له خصوصية ليست كسائر الناس، حتى يستشعر الناس فيه أمرًا لايوجد لهم، فيتميز به عنهم، فتكون له المعجزات التي أخبرنا بها”[3]، فاختلاف الناس وطبائعهم أمر لا شكّ فيه ولا جدال أوجبه النظر في العيان، إذ أن الكثرة توجب التمايز فيكون هناك الأفضل والمفضول والعالم والمتعلم، فإن أقر العقل بذلك وجب على الخالق المعتني بشؤون خلقه أن ينظم أمورهم بالرسالات الموحاة إلى رسله، فتكون الهداية لخلقه مما فيه صلاح أمورهم وشؤونهم.

أما ما يتصف به ذلك النبي من الصفات فتبدو جلية من غاية وجوده، فوجب أن يكون الأعلم، ووجب أن يكون ذو نفس قوية ارتقت في تحصيل كمالاتها بتغلبها على علائقها وشهواتها، كما يجب أن تؤيد من البارئ جل جلاله بإشارات يدركها العاقل والجاهل، فتكون له حسن الخطابة وقوة البرهان كما تكون له المعجزات وخوارق العادة، إذ توجب الحكمة أن يكون للنبي ما يجعله حجة على الناس من قول أو فعل أو عمل، وهو ما يقول به الفارابي حيث النبي هو “في أكمل مراتب الإنسانية وفى أعلى درجات السعادة. وتكون نفسه كاملة متحدة بالعقل الفعال على الوجه الذي قلنا. وهذا الإنسان هو الذي يقف على كل فعل يمكن أن يبلغ به السعادة. فهذا أول شرائط الرئيس. ثم أن يكون له مع ذلك قدرة بلسانه على جودة التخيّل بالقول لكل ما يعلمه، وقدرة على جودة الإرشاد إلى السعادة وإلى الأعمال التي بها تبلغ السعادة، وأن يكون له مع ذلك جودة ثبات ببدنه لمباشرة أعمال الجزئيات”[4]، وقد يتوهم البعض بأن المعجزات تنافى العقل والفلسفة، وهم في ذلك مخطئون فيرى ابن سينا أن العقل يوجب المعجزات للنبوة، كي يكون له ما يبرهن على اتصاله بالسماء، بل ويوغل في ذلك فينفى تمام النفي كون المعجزات تنافى العقل، بل يراها ذات علل وإن عجز النظر عن إدراكها، فيقول: “ولعلك قد تبلغك عن العارفين أخبار، تكاد تأتى بقلب العادة، فتبادر إلى التكذيب.
وذلك مثل أن يقال: إن عارفًا:استسقى للناس، فسقوا، أو استشفى لهم، فشفوا، أو دعا عليهم، فخسف بهم وزلزلوا، أو هلكوا بوجه آخر.ودعا لهم، فصرف عنهم الوباء، والموتان، والسيل، والطوفان. أو خشع لبعضهم سبع.
أو لم ينفر عنهم طائر.أو مثل ذلك، مما لا تؤخذ في طريق الممتنع الصريح، فتوقف، ولا تعجل، فإن لأمثال هذه أسبابًا في أسرار الطبيعة”[5]، فيقر ابن سينا بالمعجزات ولكنه يراها خرقًا للعادة أو المتعارف عليه، لا خرقًا للعقل كما قد يظن البعض، ليتضح مما سبق وجوب النبوة ومن ثم وجوب البحث عن النبي الحق صاحب الرسالة الحقة، إيمانًا بالحق الواحد الرحيم الحكيم المعتني بخلقه، وأن الفارق بين النبوة ومدعيها جلى يظهر بين طيات كلماتهم، وأنه لا يكفي أن تدعى تلقيك لنفحات الإله لكي تصير النبي (سامح).

المراجع:

رسائل فلسفية، منشورات دار الأفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الخامسة 1982

الإشارات والتنبيهات، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة

النجاة فى الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، دار الآفاق الجديدة، بيروت

آراء أهل المدينة الفاضلة، دار المشرق، الطبعة الثانية، بيروت

[1]رسائل فلسفية – أبو بكر الرازى صـ 295

[2]رسائل فلسفية – أبو بكر الرازى صـ296، 297، 299

[3] النجاة فى الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية – ابن سينا صـ 338، 339

[4]آراء أهل المدينة الفاضلة – أبو نصر الفارابى صـ125، 126

[5]الإشارات والتنبيهات (الكتاب الرابع) – ابن سينا صـ150

اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق