مقالات

المقامرون – تحليل المخاطرة في مقابل العائد

رغم نشأتي في أسرة يمارس أغلب أفرادها أعمالا تجارية، ورغم تأثري بعاداتهم كالسهر حتى تذوب عتمة الليل في ضوء الصباح، ورغم قناعتي بأن الأفكار كالبضائع تبور بتجمدها وتروج بتعدديتها وتنوع مصادرها، إلا أنني لم أتقن يوما ممارسات البيع والشراء، ولا أجيد التحدث بلغة المال، بل لا أجد أية متعة فكرية في قراءة أدبيات المال والتجارة والاقتصاد، تلك التي تتسم بالجفاف المعاند لانطلاقات الروح، وتحتل الصفوف الأولى في معبد العقل الأداتي الممسك بتلابيب الوسائل والغايات، مسبحة بالاستثمارات والأرباح!

لكنني وجدتني مرغما على قراءة بعض هذه الأدبيات لأغراض بحثية، لأتوقف طويلا أمام بعض تحليلاتها، لاسيما ما يُعرف بتحليل المخاطرة (أو التكلفة) في مقابل العائد، وهو تحليل رياضي كمي يتولى تحديد تكلفة كل مخاطرة (مشروع أو صفقة أو برنامج)، ليتمكن من موازنة مجموع التكاليف مع مجموع العوائد المحتملة التي يمكن أن تنتج في النهاية.

ما وراء تحليل المخاطرة

صحيح أنه تحليل اقتصادي علمي تحتويه أية دراسة جدوى للمشروعات العامة أو الخاصة، الكبرى أو الصغرى، لكن تطبيقاته السياسية والفردية تكشف بلا مواربة عن الوجه القبيح للعقل حين يطرح كل شيء في أسواق المال والمناصب والنخاسة السياسية، مستبيحا كافة القيم التي كافحت البشرية من أجلها طويلا، بما في ذلك قيمة الحياة.

حالة فورد بينتو

على سبيل المثال، تكلفة تعديل بنية سيارة بعد طرحها في الأسواق لتلافي عيب تصميمي ظهر بها وأودى بحياة البعض يفوق بكثير قيمة التعويضات التي يمكن أن تقضى بها المحاكم لأهالي الضحايا، ومن ثم يكون القرار الاقتصادي هو إبقاء السيارات التي تم بيعها على ما هي عليه، وليذهب ركابها إلى الجحيم.

هذا ما حدث في السبعينات من القرن الماضي وعُرف باسم «حالة فورد بينتو»؛ حيث أنتجت شركة فورد الأمريكية السيارة بينتو الصغيرة لمنافسة السيارات المستوردة، والتي اتضح بعد بيع 1.9 مليون سيارة منها وجود خطأ في تصميم خزان وقودها يسبب انفجاره في حالة الاصطدام من الخلف، الأمر الذي خلَّف عددا من القتلى والمصابين، لكن الشركة امتنعت عن سحب السيارة من الأسواق وتعديلها، ولم تُذعن للأمر إلا بعد تدهور سمعتها محليا ودوليا!

حالات آخرى

أيضا، تكلفة إنتاج أو استيراد لقاحات للأطفال خالية من المواد الحافظة الضارة كأملاح الزئبق، والتي تؤدي إلى إصابة الأطفال بمرض التوحد، تفوق عائدها ولو كان مجتمعا مُعافا، لاسيما في الدول النامية، فلا بأس من التضحية بالنسبة القابلة للإصابة!

وتكلفة القضاء على مافيا الميكروباصات والتكاتك التي تموج بها بلادنا تفوق العائد المتوقع لأية حكومة مرحلية؛ إذ عليها من جهة أن توفر البديل من وسائل المواصلات والطرق المرصوفة جيدا، وعليها من جهة أن توفر عملا لجموع العاملين في هذا المجال، فضلا عن الاستغناء عن عوائد المخالفات المرورية الضخمة!

وتكلفة القضاء على الرشوة والسرقة في المؤسسات الخدمية المختلفة، وعلى الدروس الخصوصية في مجال التعليم، وعلى هجرة العقول العربية الواعدة إلى الخارج.. إلخ، تفوق قدرة الحكومة على توفير وظائف ومرتبات آدمية ونظام أمني بديل!

وفضلا عن ذلك فإن تكلفة التطوير الحقيقي للتعليم، والتطهير الفعلي لوسائل الإعلام، ومحاربة العُري والإباحية، ومنع تداول وتعاطي المخدرات.. إلخ، تفوق العائد الوطني المتمثل في ارتقاء الوعي وبناء ملكات النقد العقلي لدى المواطنين!

وعلى الإجمال، تكلفة محاربة الفساد والقضاء عليه تفوق العوائد المتوقعة لأية حكومة على المدى القريب، فلا بأس إذن من الفساد، ولا بأس من رجال أعمال يربحون ومسؤولون يستمرون ووطن ينهار، طالما كان انهياره بعد حين!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضا:

هل التنمية المنشودة تنمية اقتصادية أم اجتماعية؟ أم تنمية تشمل كل جوانب الحياة؟

لماذا لم نعد نهتم بالقضايا الأساسية؟

مجتمع العرض والطلب

اظهر المزيد

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى