قضايا وجودية - مقالاتمقالات

المعاناة تنسج المعنى …  لماذا انتحر ذلك الشخص وألقى بنفسه أمام المترو؟  

عندما نفقد المعنى !

عندما تزج عواصف المحيط بسفينة ما في منتصفه، فتتعطل محركاتها، وتفقد خط سيرها ويتغشاها الموج من كل مكان، فيهرع الركاب إلى كل صوب طالبين النجدة ومتعلقين بالأمل حينًا وزاهدين فيه حينًا آخر، فيفقد القبطان توازنه وتعلو الأسئلة حوله هل من سبيل إلى نجاة؟! عندها قد ينتقل السؤال من “هل تتحرك السفينة يمينا أم يسارا” إلى السؤال عن “لم تحركت السفينة من الأساس وإلى أين وجهتها وما الذي قد يجعلها تصمد إلى أن تصل إلى وجهتها من دون أن نستمع لصوت يقول “لقد غرقت السفينة يا قبطان!”.

هكذا هي الفواجع أو المصائب عندما تنزل بالإنسان في البداية يسأل كيف يتخطاها ولكن السؤال الأصعب دائمًا هو لم يتخطاها؟ وإن إجابة هذا السؤال إما أن تجعله يفقد المعنى من حياته فيقف ساكنًا فاقدًا لمسببات مضيه قدمًا في الحياة وإما أن تجعله ممتلئ المعنى ومدركًا لعمق مسببات حياته وراضيًا وماضيًا ليكمل مسيرته من دون الاستسلام للغرق في انعدام المعنى أو ثقله عليه.

إنه لأمر طبيعي بعد أن يتعرض أي شخص في حياته إلى فاجعة ما، من فقد عزيز أو مرض شديد أو فقد لكل ما يملك أو مشاهدة حرب يخسر فيها أهله ووطنه أو فقدانه لحريته لسنين طويلة أو تعرضه لأي نائبة من نوائب الدهر أن يقف ويتساءل ما المعنى الحقيقي لحياته؟! وما الذي يجعله يتحمل ما هو فيه الآن!

إن إجابة هذا السؤال هي الأصعب على الإطلاق لأنه ليس لأحد أن يلقن الشخص في هذه الحالة الإجابة، بل عليه هو أن يبحث عنها بنفسه ويحاول أن يستنبطها بطريقة صحيحة من جوهر حياته.

ولكي نصل لكيفية الإجابة عن هذا السؤال علينا أن نتعرف أولًا على المعنى وأهميته في حياتنا وكيف نصل إليه!

المعنى هو الغاية من الحياة وهو السبب الذي يجعلنا نمضي قدمًا في العالم ونُغير ونتغير ونهتدي ونهدي ونحزن ونفرح وننبسط أو ننعزل ونقرر أو ننسحب، هو باختصار ما يجعلنا عازمين على التحرك إلى الأمام لأن هناك في آخر الأمر ما نريد الوصول إليه.
أما بالنسبة لأهمية وجود المعنى، فهو أنه يجعلنا قادرين على المقاومة بشكل ما، قادرين على مقاومة أنفسنا وما تهواه، وقادرين على تجاوز ما مضى من ألم، وقادرين على تقبل الواقع ومحاولة تغيير ما فيه من أخطاء، وموقنين بأنه في النهاية سنجد كل ما نطمح إليه ونحقق المعنى من وجودنا.
إن عدم وجود المعنى لحياتنا يجعل كل ما نسير فيه أو إليه في دربنا هو شيء عبثي لا فائدة منه، فإذا نزلت بنا مصيبة أو حدثت فاجعة فإننا نهتز بشكل عاصف وندمر كل ما قد وصلنا إليه، إن فكرة إنهاء البعض لحياتهم بشكل مقصود وانتشار ظاهرة الانتحار في هذه الأيام سواء داخل البيوت أو بإلقاء الشخص لنفسه أمام المترو وهي الطريقة التي انتشرت وتكررت في مجتمعنا في الآونة الآخيرة لهو دليل كبير على وجود الفكر العبثي والذي يتبلور في عدم وجود معنى للحياة عند بعض الأشخاص فيجعل البعض منهم يتخلص منها!

ومن هذه النقطة وهي فقد الناس لحياتهم نتيجة عدم قدرتهم على إيجاد سبب أو معنى للحياة انطلق عالم النفس فرانكل صاحب مدرسة العلاج بالمعنى في علم النفس، بعد أن واجه معاناته في معسكرات الاعتقال النازية في ألمانيا، لنجده يعالج مرضاه بسؤال واضح لكل منهم “لماذا لم تنتحر؟!”
ثم يستخلص من إجاباتهم الأسباب والمعاني التي تجعلهم متشبثين بالحياة؛ ليعمل في رحلته العلاجية على تقوية هذه المعاني لديهم فيرغبون في تكملة الحياة لتحقيق غاياتهم في النهاية.

وكذلك نجد فرانكل نفسه يتحدى ما تعرض له من اعتقال وفقد كل أفراد أسرته وتعرضه لشتى أنواع العذاب سواء النفسي أو المادي بمحاولاته التي لا تنتهي للبحث عن معنى سامي ومعنوي يجعله قادرًا على المضي قدمًا وتجاوز ما يحدث معه، وكذلك مساعدته لمن حوله من السجناء ليجدوا معنًى ما أو سببًا لوجودهم فيكملوا الحياة.

وهنا يأتي السؤال الآخير والأهم وهو كيف نصل إلى معنى لحياتنا؟
لو تأملنا الواقع فإن لكل إنسان طريقته للوصول إلى المعنى فمنهم من تخوضه تجربة ما في حياته إلى إيجاد معنى لها، ومنهم من يمضي قدمًا مع مواقف الحياة فيستخلص المعنى بعد فترات من الخبرة، ومنهم من يتعرض لفاجعة أو معاناة ما فينسج من خلالها معنى لحياته، وإن المعاناة تجعله متعمق الإيمان في ما قد وصل إليه لأن مواجهة المصاعب تتطلب قدرًا كبيرًا من الإيمان بغاية ما.

وهنا تأتي النقطة الأهم وهي ما هو السبب الذي استخلصت منه معنى لحياتك!
فالبعض قد يجد المعنى لحياته من خلال ما يملكه من مال أو عمل أو منصب أو شهرة أو نفوذ أو تحقيق لنجاح في الدرجات العلمية، وهذا المعنى قد يجعله ماضيًا في الحياة ولكن ماذا إن فقد المال أو النفوذ أو العمل؟! هل يهوي ويسقط في بئر الفقد ويحاول إنهاء حياته لأن ما كان يعيش لأجله قد انتهى؟!

من هنا نعرف أن المعنى لحياتنا يجب أن يتعلق بأشياء معنوية مجردة لأنها غير زائلة ولا يتعلق بالأسباب المادية لأنها زائلة؛ فالإيمان بالإله وحب الخير وكره الشر والدفاع عن الحق ومحاربة الباطل هي معانٍ مجردة لا تفنى عند تعلق الإنسان بها بل تجعله يجد لنفسه غاية مطلقة ومتجاوزة يمضي من أجلها في حياته.

وهكذا نجد المفكر علي عزت بيجوفيتش رئيس البوسنة والهرسك السابق يواجه ما تعرض له من سجن وقمع بمواجهة الحياة والتعلق بمعنى الوقوف ضد الشر فيقول في كتابه هروبي إلى الحرية “عندما تعايش كل شيء وتحتمله، وعندما تنهض ثانية بعد مئات الكبوات، وعندما ترفض الآمال الكاذبة والمواساة، وتضغط على أسنانك لكي ترى الحقيقة بشكل واضح وبعيونك، عندما تفهم بأن المعنى الوحيد للحياة هو النضال ضد الشر، وفي هذا النضال يمكن عمل القليل، ولكنه الشيء الوحيد الذي بمقدرونا، خارجها هو السقوط الأبدي”

في النهاية… إن إيجاد المعنى أو السبب لحياتك لا يجعلك ذلك الشخص المسترخي الهانئ الذي لا يجد الصعوبات في حياته، هو فقط يجعلك تعرف لماذا تواجه هذه الصعوبات ويجعلك تملك من القوة والجلد لتحمل تلك الصعوبات لأن هناك هدف أو غاية في النهاية تنتظرك.

  اقرأ أيضاً :

من ” أحلم معايا ” لـ ” داري يا قلبي ” .. لماذا لم يحبنا العالم ؟

هو في امل ؟

الفراغات التي يتركها الراحلين

 

اظهر المزيد

دعاء رجب

عضوة بمركز بالعقل نبدأ القاهرة

مقالات ذات صلة