نظرك فيك .. يكفيك

هناك أمور في حياة البشر تستحق أحيانًا التوقف والنظر، وتحريك مكامن الدهشة في داخل الخواطر والأفكار، لكن تسارع الأحداث وانشغالات النفس وإلحاحاتها بمطالبها على الناس، تجعلهم دائمًا في حالة سيولة زمنية متسارعة، ولا يتنبهون إلى ما يجب الانتباه إليه وهم عنه غافلون، وقد كان الشاعر صادقًا كل الصدق حين قال:
وعلمت حين العلم لا يجدي الفتى أن التي ضيّعتها كانت معي
وهذا صحيح، إذ من أكثر الأشياء التي تقلل من قدراتنا على النقد والتصحيح، بل الشعور بالمزايا والشكر عليها، هو هذا “الاعتياد” الذي نشعر به تجاه الأشياء من حولنا، وهذا الاعتياد من أخطر الأشياء التي تعيق الإنسان في خطواته باتجاه الأمام إلى ما هو أفضل وأصوب.
لذلك كان الأمر بالتفكير والتعقل والإدراك والتساؤل ضرورة من أهم ضرورات اليقين، ومن أهم خصائص الإيمان المتجدد المتزايد، واليقين والإيمان من ضرورات الوعي بالذات، ومن ثم الوعي بالواقع وما فيه ومن فيه.
وأتذكر أن أحد الأصدقاء قال ذات مرة تعليقًا لافتًا بخصوص “المائدة” التي طلبها الحواريون من السيد المسيح! قال: أمام الإنسان في كل يوم مائدة من السماء تتمثل في ألوان طعامه وشرابه كلها، ومع ذلك فهو لا ينتبه إلى أن ذلك معجزة، ولم يحرك تفكيره في اتجاه البحث بشأن تلك المعجزة وما تشير إليه من دلالات، والآية الكريمة في سورة الواقعة تسائلنا “أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)”؟
غير أن موقف الحواريين كان مليء ببعض الشوائب التي كانت تأتي من الاعتقادات الخاطئة المليئة بالأسرار المزيفة، بخاصة تلك التي كانت قادمة من بلاد اليونان وأيضًا العراق.
لكنهم في الأحوال كلها اتخذوا موقفًا يناقض الوفاء بالعهود، لذلك كان موقف السيد المسيح الفوري منهم بقوله: “اتقوا الله إن كنتم مؤمنين”، ولا أدري حقيقةً كان تحذيره لهم من قولهم الفاجر المختل “هل يستطيع ربك”؟، أم من مطلبهم بمائدة تنزل من السماء؟ وهل كان ذلك لأنهم لا يريدون تشغيل عقولهم، في أن الزرع والماء والنار كلها إعجازات؟ فقط يتعين على العقل أن يتأملها ببعض التفكير!
المسألة في الحقيقة كلها كانت مليئة بالأغلاط والأخلاط ومخايلات الكذب والتكذيب والخدع والمخادعة، لذلك سنجد أن الآيات انتهت بتقرير حقيقة من أخطر الحقائق في حياة البشر ومماتهم وقيامهم: حقيقة الصدق والصادقين.
النظر البريء العميق النافذ، سنحتاجه بقوة ونحن ننظر إلى ما يحدث في إسرائيل الآن.
يعلم الجميع في داخل إسرائيل وخارجها أن “طوفان الأقصى” كان بمنزلة ضربة قاصمة للاحتلال الصهيوني لفلسطين وهيمنته على الشرق الأوسط.
والدهشة التي كانت على وجه “الحاج يحيى” حين خرج من السجن عام 2011م، كانت دهشة حقيقية، وهو يتساءل: “أنتم لم تحرروا فلسطين بعد؟!”.
هو تساؤل من نوعية الأسئلة الأولى الغائبة التي تدعو إلى التوقف والنظر، صحيح! لماذا لم تتحرر فلسطين بعد، ولو على مراحل حاسمة؟
فكمية الحشد العربي والقومي بخصوص هذا الموضوع، من خمسينيات القرن الماضي حتى عشرينيات القرن الحالي لم يسبق له مثيل، حشد عسكري وحشد سياسي ومخابراتي! وأيضًا حشد فكري وكلامي لم يُتَح لأي موضوع آخر مثله.
ومع ذلك تعملقت إسرائيل، ولم تتحرر فلسطين!
صاحب السؤال رحمه الله، كان خارجًا لتوه من 23 سنة سجنًا داخل الكهف الإسرائيلي، وأعمل عقله وفكره وتساؤلاته على نحو غاية في البراءة والنقاء، فكان سؤاله في محله تمامًا!
فقد اكتشف أن إسرائيل في كل مكون من مكوناتها قصة قصيرة جدًا، في مكونها الاجتماعي من متابعته للصحف والأخبار، وفي مكونها السياسي كذلك، وفي مكونها العسكري، وهذه ليست فقط من الكرامات عند أهل الطريق، لكن أيضًا من الربط العميق بين الأشياء، وهو تفكير مليء بالأنوار التي تأتي الصادقين في طريق صدقهم.
المهم اكتشافه أن الموضوع يحتاج فقط إلى طرح الأسئلة البريئة؟ والحصول على إجابات صادقة وجادة، ووجد من يصغي إلى أسئلته، ووجد من يطرح الإجابات! وتلاقت الأفكار والنوايا، وكان الصدق حاضرًا والعزم قائمًا.
كان يعلم أن ثمن طرح هذه الأسئلة على العالم العربي أولًا، ثم على العالم أجمع، كان يعلم أن الثمن سيكون غاليًا جدًا ومكلفًا جدًا، وقد كان!
ومضى الرجل إلى غايته، بعد أن قال لنا كل شيء.
وترك من يأتي بعده لتكتمل سُنّة التاريخ في التسليم والتسلم، وإن شاء الله سيكتمل البناء على ما قد تأسس، وقد كان هذا قلب الموضوع ولبه، والباقي أسهل كثيرًا، فقط التخلي عن عادات النظر البليدة القديمة، وإعمال النظر النافذ الثاقب.
إسرائيل من داخلها تعاني صدعًا رهيبًا، على حد تعبير المهووس المشعوذ “بن غفير” الذي يطلب العفو عن فساد “نتنياهو” لرأب هذا الصدع! نتنياهو نفسه في التماس العفو من رئيس الدولة يتحدث عن الوحدة الوطنية والتئام الصف! وشيء جميل أن يكون هذا الحديث بالذات صادرًا عن هذا التيار، الغارق في تطرفه وفساده.
الجيش أصبح أمام المجتمع، وأمام نفسه، يعيش لحظة “الحقيقة العارية” المنزوع عنها غطاءات التزييف والكذب السابقة كلها، والتلويح بحروب هنا وهناك من نتنياهو، محاولة بائسة لحماية نفسه أولًا، وجعل الجيش في حالة استنفار ثانيًا، خوفًا من تراكم إحباطاته، وما يتبع ذلك من اضطرابات مجهولة، والضرب في غزة والضفة وسوريا والتهديد بضرب لبنان وإيران، ذلك كله لا يخفى على أي ناظر، كلهم يعلمون أن التوقف سيعقبه فورًا الكوارث المتوقعة الآتية، وهم فقط يؤخرونها قليلًا.
ولنا أن نعلم أن الجيش والقضاء،كانا على مدار السنين منذ تأسيس الدولة، هما القدمان التي تقف عليهما تلك الدولة، لذلك فقد كان تأسيسهما تأسيسًا صلبًا وعلى قواعد راسخة، والاثنان الآن في مهب الريح.
لم ينس أحد جولات نتنياهو مع القضاء قبل السابع من أكتوبر، التي استدعت تدخل الراعي الرسمي، وكان بايدن وقتها في الرئاسة.
لم ينس أحد تقارير الجنرال المتقاعد إسحق بوريك رئيس لجنة تلقي الشكاوى بالجيش، الذي توقع كل شيء من قبل السابع من أكتوبر، ليس فراسة ولا تنبؤًا، بل من واقع الحال، وهذا سهل على أي قيادة قديمة في الجيش تتمتع ببعض النزاهة، وكنا قد أشرنا سابقًا إلى الإفساد والفساد داخل الجيش من وقت شارون، الذي علق عليه موشيه يعلون في مذكراته بعد أن ترك رئاسة الأركان.
الحاصل أننا أمام مشهد واضح للغاية ولا يحتاج تنظيرات ولا تمخيخات، إسرائيل الحالية لا مستقبل لها، بكل الأدلة والبراهين، المشروع الصهيوني المتمثل في دولة يهودية مشروع على شفا الانهيار داخليًا وعالميًا، وفكريًا واستراتيجيًا.
وكل من يراهن عليه رهانه خاسر، الشرق الأوسط الآن يتهيأ لمرحلة ما بعد إسرائيل.
ونظرك فيك يكفيك.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا