مقالات

المدينة الفاضلة بين الخيال والواقع

ما الذي نحلم به لمدينتنا التي نحيا بها؟

نتنفس هواءها ونشرب ماءها ونأكل من ثمرات أفنانها ونستظل بسمائها.

لا نحلم أحلام يقظة، أحلاما خيالية لا يمكن تحقيقها، ولا نحلم برومانسيات حالمة كالتي نراها في الأفلام والأدبيات كألف ليلة وليلة، ولا التي يتغزل في محاسنها الشعراء، ولا مدينة أفلاطون ومثاليته فلا نعلم مدينة بلا أسوار وبلا حراس، ولا مدينة الفارابي وأحلامه السعيدة في إقامة مدينة الحكماء،

ولا يوتوبيا توماس مور ولا مدينة الأثرة عند توماس هوبز والإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ولا مدينة الحكم العقلاني الصارم عند عمانويل كانط والإنسان يفعل فعله من أجل الواجب الأخلاقي، ولا مدينة الله التي حدثنا عنها القديس أوغسطين، ولا مدينة البحث عن المطلق الأمر الذي قد يفوق قدرات ساكنيها.

مدينة تليق بالإنسان

يا سادة نحن نحلم بمدينة تليق بالإنسان بما هو كذلك، إنسان كرمه الإله وحمله أمانة ناءت من حملها الجبال، نريد مدينة نعامل فيها الإنسانية متمثلة في شخوصنا، مدينة يسودها الحب والأمن والسلام والاستقرار، نربي فيها أولادنا على الإيثار وحب الغير والعمل لمصلحة الآخر، مدينة يحكمها حاكم من أهلها على دراية بهموم وقضايا الناس،

حاكم عدل يقسم بالسوية ويراعي الله في الرعية ويعدل في القضية، ورب واحد يقول زمن الأنبياء والقديسيين والرهبان ولى وزمن الخلفاء ولى، نقول لا نعيب الزمان وإنما الزمان يعيب علينا، فالعيب عيبنا لا عيب الزمان، نحن نتعامل مع الإنسان أنى وجد وأيا كان توجهه الفكري وأيا كان معتقده،

حاكم يبكي لبكاء الناس ويفرح عندما يفرحون، نريد مدينة يحكمها القانون الداخلي -الوازع الداخلي- وحينما يعجز نلجأ إلى القانون الوضعي، نريد مدينة يقف على أبوابها جنود أشداء يحمون حماها متى اقتضت الضرورة لذلك، نريد مدينة تنتفي فيها الأنانية والحقد والحسد والبغضاء والضغينة ونصب المكائد من أجل أضغاث أحلام قد تتحقق وقد لا تتحقق، من أجل منصب أو جاه أو سلطان فكل ذلك ذاهب إلى زوال وسيصبح طي الكتمان ولن يبقى إلا الإنسان،

نحلم بمدينة يقدر فيها أهل العلم والعلماء يأخذون حقهم اللازم ويحيون حياة كريمة، نحلم بمدارس جميلة علما وخلقا ونظافة، نحلم بجامعات تليق بالإنسان بما هو إنسان، جامعات تربي جيلا واعيا مستنيرا، جيلا ننشئه على الفهم الصحيح والنقد البناء، جيلا ننشئه على المواطنة وحب بلده وكيف يفني عمره في خدمتها،

نهتم فيها بالأستاذ ليأخذ حقه ماديا ومعنويا بدلا من أن يتركها ويسافر من أجل تحسين مستواه المادي، ويكرم معنويا في حياته وليس بعد مماته، يشعر بقيمته كعالم جليل وما أروع وأكثر العلماء الأفاضل الأجلاء، نريد مدينة يصبح فيها الكل في واحد والواحد في الكل، نحلم بمدينة شوارعها نظيفة وطرقها ممهدة، مرافقها صالحة للاستعمال الآدمي، نحلم بمدينة مهندمة جميلة تنظر إليها فتسعد وإذا غبت عنها تشتاق إليها وتذكرها في كل مكان تحل فيه.

يا سادة هل هذا الحلم صعب المنال عصي التحقيق؟

لا نريد إلا العيش في سلام في مدينة أسوارها شاهقة شامخة وأشجارها ظلالها وارفة تحتضن القاصي والداني. في اعتقادي وملتي أن هذه المدينة من الممكن الوصول بمدينتنا إليها، كيف يا فيلسوف عصرك وأوانك؟ بالحب والود والإخلاص والتعاون والاحتضان، لو كل واحد منا أحبها حبا حقيقا وعشقها عشقا أزليا أعتقد أن الحلم سيتحقق والخيال سيزول ويصبح حقيقة،

فلنبدأ بأنفسنا كل يبدأ بنفسه ويفتش في أعماق ذاته سيجد أنه بإمكانه صنع المعجزات وأنه ليس ثمة معجزات، لأن الإنسان صخر يتحطم عليه المستحيل.. هل هذا صعب؟ أفيدوني! ليست هذه مثالية وإنما واقع نحياه نريد أن نتحول به إلى الأفضل.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

حلم المدينة الفاضلة هل من الممكن أن يتحقق يوماً؟

 يوتوبيا العالم المادي والانفصال عن الواقع

التغيير الحقيقي من أين يبدأ 

اظهر المزيد

أ. د. عادل خلف عبد العزيز

أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى