مقالات

المدينة العطشانة

المدينة

يُحكى أن مدينة شديدة الجهل في زمن شديد البُعد كان سكانها يشربون من ماء بئر وحيد يقع في منتصف المدينة، تسلل الأعداء للبئر ليلاً وألقوا فيه وابلاً من الحيوانات الميتة! سرعان ما انتشر الخبر في الصباح وعم الذعر في المدينة من موت قريب يلوح في الأفق، فيومان اثنان على الأقل كفيلان بانتهاء مخزون كل بيت في المدينة من الماء وانتشار العطش كالطاعون في كل الأجساد، وأما البئر فانتشال ما فيه من عشرات الحيوانات وتطهيره وعودته لمهمته بشكل طبيعي يحتاج لأيام وربما لأسبوع، خرج العالم الحكيم من عزلته –المجبور عليها من ملك المدينة- إلى تجمع الناس عند البئر ليعلن أن لديه حلاًّ سريعاً لهذه الأزمة الخطيرة ولكن سرعان ما قُبض عليه من حرس الملك وسط صمت الناس وبدون ردود أفعال، وتم اقتياد العالم الحكيم إلى سجن المدينة خوفاً من أن تتشكل له شعبية إذا حل هذا الأمر حيث سيظهر عجز الملك وأعوانه عن حل هذه الأزمة، وسرعان ما نشر منادي الملك في المدينة خبر إلقاء القبض على الحاقد الجاحد الذي تآمر مع الأعداء على إلقاء الجثث في البئر، دائماً يوجد خونة انعدمت فيهم الوطنية، يتآمرون على الوطن من أجل ملذاتهم الشخصية، والأسوأ أن يكون هؤلاء الخونة على رأس الحكم!

قرر أعوان الملك إرسال قافلة لشراء مياه من مدينة نهرية ليست قريبة تكفي سكان المدينة لحين تطهير البئر، وتم أخذ كثير من المال من السكان كضرائب لشراء الماء، كما أن ذهاب هذه القافلة وعودتها سيستغرق خمسة أيام على الأقل، جاء للملك إعانات مياه من مدينة مجاورة قريبة قرر الإبقاء عليها له ولأعوانه لحين حل لمشكلة،

بدأت أزمة العطش في اليوم الثاني من الواقعة، أعوان الملك قرروا مدّ الناس بالماء المالح كحل مؤقت لحين عودة القافلة حيث المدينة تطل على البحر من الجهة الشرقية، ولكن من يشرب الماء المالح يزداد عطشاً، وكنتيجة طبيعية وصل عزرائيل المدينة وبدأ بقبض أرواحهم واحد تلو الآخر، الذعر ممتد ويتزايد، الضعف يظهر على الجميع والموت يسير في طريقه بخطوات أسرع، الكل يفكر موقف يستدعي الغضب، الخطر بشع ولا بد من دفعه، وكإجراءات وقائية تحسباً لحدوث حراك من الناس تم سحب نصف العساكر الذين كانوا يطهرون البئر لتعزيز قوات حماية الملك وأعوانه، الموت حاضر والهلع يسيطر والعدل غائب والحكمة بعيدة، لا مفر إذن من ثورة على هذا الوضع، فلا يوجد خسائر أكثر من ذلك، لا يوجد خطر أكثر من ذلك، لماذا لا يموت أعوان الملك؟ حتماً لديهم ما يكفي من الماء، لماذا تلوثت ماء البئر؟ حتماً هناك فساد، هناك متآمر ولكن المتآمر الحقيقي هو من سحب الجنود ليلة الواقعة ليصبح البئر بلا حماية، لماذا لم يتم حل الأزمة؟ حتماً لأن صاحب قرار الحل ليس برشيد، دائماً يجب أن تحدث مصيبة لكي يتم إدراك الوقائع على حقيقتها، الاشتياق إلى العدل، إلى الحكمة، إلى العلم، إلى الأمان، الاشتياق إلى منهج للتعامل مع الحياة بتفاصيلها وحلوها ومرها، الناس تثور من أجل إخراج العالم الحكيم من محبسه، مات منهم الكثير وقُبض على الكثير ولكن تم اقتحام السجن وتحرير العالم الحكيم، قام العالم الحكيم بمساعدة الثوار بتحلية مياه البحر المالحة عن طريق التسخين، وتم حل أزمة المياه وإنقاذ من تبقى من سكان المدينة، وبمساعدة الناس أيضاً قاموا بثورة فكرية على معتقداتهم وعاداتهم فثاروا على الملك وأعوانه فأسقطوه وحاسبوه على ظلمه طيلة السنوات الماضية، تولى العالم الحكيم زمام الحكم بعد ذلك وعمّت العدالة والحكمة والفضيلة هذه المدينة.

اقرأ أيضاً:

ثنائيات مهلكة .. أفكار تؤدي إلى الهلاك!

الشهرة والمال .. عندما يسير الإنسان على الطريق الخطر!

ونفس وما سواها .. تكوين النفس وسر الصراع!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق