فن وأدب - مقالاتمقالات

المحاكمة قبل الأخيرة

أدخلوا جثمان الفقيد الحجرة، محمولا على الأيادي الخاضعة للأحزان، والوجوه الملتفة بالآلام والكدر، العيون تسيل مدامعها على الوجوه، حتى ارتوت الثياب، ولا صوت غير الآه والآه!

قلوب تبكي بحرقة لفراق، وقلوب زيفت ببكائها المرسوم معالم الأحزان في الإنسان، وقف بليل يصافحه الجميع، ويقدمون له التعازي في وفاة شقيقه، كغيري جئته مُعزيا، الحزن أصاب المكان، فالميت كان حسن الأخلاق، وفراقه أحزن الجميع، دنا المقربون منه يسألونه، هل سُيدفن جثمان الفقيد الآن، أو سيبقى حتى الصباح؟ حضر المغسلون واصطحبوه، وقالوا له: هلم صب فوق أخيك الماء.

يخاطب ذاته، لا صوت للرفض هذا ساخن أو هذا بارد، أو رفقا يا مغسلي أضلعى تؤلمنى يمينا أو يسارا، ربطوا قدميه وفاه! كل ما ينشد الحرية أصبح رهن الوثاق! نثروا فوقه عطرا كل الأنوف تأباه! ترك همسات المغسلين بأصواتهم الحزينة، وأخذه الضمير وصارا في رحلة بلا كذب ولا رياء!

محاكمة الضمير

ما قيمة رحلة الحياة؟! بصراحة لم تخالطها نفاق؟ لا شيء! كان أخي منذ ساعات اسمه فلان، والآن أصبح جثمان ، ماذا عن المال والسلطان؟ لا شيء يبقى، الأولاد فلذة الأكباد؟ وآه من أبنائي! ضيعت زماني أجمع لهم وسيطويني نسيانهم بسيف زمانهم! أين نصيب أبناء الفقيد بحق الله؟ سأعطيهم ألف آه وآه من محكمة العدل والميزان.

وعيناك اللتان تجوبان الشوارع، تتبصص مفاتن النساء، تتأوه أنفاسه المحبوسة ونظراته المتألمة، قاطعا العهد على نفسه، لن أمدن عيني إلى ما متع الله به غيري.

انتصف الليل البهيم بظلمته، ومضى المعزون واحدا تلو الآخر، وظل هو وضميره في حوار دائم، يحاول أن ينفك لعالمه بلا أوجاع ولا عتاب، لكن الحزن المطبق على بحور النفس الهادئة في تلك اللحظات ظل يراوده حتى ذهب به إلى ساحة المحاكمة مرة أخرى، ألم يكن منصبك على أكتاف غيرك؟ أجل أجل رُحماك يا ربي!

جسده يتقلب به يمينا ويسارا عله يستريح، لكن هيهات هيهات! لجسد دنست خطاه الأرض أينما حل وبطشت يداه، كلما مال أن يذوق راحة البال، اتركني اتركني، ثم ارتكن إلى حائط بالجوار، أخذته سنة من النوم، لم عاملت أبويك بهذه القسوة والجحود؟ وظننت بأن قواك يوما لن تخور؟ وأنك ذاهب إلى القبر ومراتع الدود! انتفض من نومه، آه آه ،حتى في الأحلام حساب وعتاب؟!

صوت أذان الفجر كان يصدح بكل الأضلع والأرجاء، ربت الضمير على كتفه الأيمن، ثم انهال موجعا على كتفه الأيسر، أين صدقات أموالك؟! رد متألما: الله طيب ولا يقبل إلا طيبا! احكم يا قاض، احكم بما شئت، فالذنوب تعاظمت، والجبال منها تسلسلت، والنفس تأبى الرجوع، وتهوى المعاصي والزلل، سالت دموعه سيلا من الندم والاعتراف والألم.

لا زال باب توبته منتظر

فض الضمير محاكمته، وأعلن حكمه بلا سجن ولا جلد، قال له انهض باب توبته للعصاة ينتظر، كان المغسلون قد أنهوا الغسل، وألبسوه الكفن ،قبل جبينه ثم لملم دموعه وثيابه مهندما وقام مهرولا، نادى الضمير قف يا غافلا، أنسيت أعظم ذنوبك كلها؟ هز رأسه بشيء من الخزي والسقم، تقصد تلك السياسة الملعونة؟! غدا سأرسل أوراقي أدراج الرياح، وأمحو اسمي المستعار، وأهشم قلما مداده النفاق والكذب.

أحقا يا ساكني لا زال باب توبته ينتظرني بلا حُجَّاب ولا وُصُد؟! بلا حجاب ولا وصد؟! هز الضمير رأسه، وقال :نعم.

أسرع بخطاه نحو المسجد متعلقا بغفرانه، وهو يردد: بابه بلا حجاب ولا وصد، بابه بلا حجاب ولا وصد!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

قلق الموت

فلسفة الموت

مناجاة

اظهر المزيد

أ. هاني موسى

كاتب صحفي وروائي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى