مقالات

المجد لمن قالوا بأعلى أصواتهم وبرغم بساطتهم: فلسطين عربية

يستيقظ البطل الوسيم ليشارك أسرته الصغيرة فطورهم كأي يوم عادي، قبل أن تتحول الأحداث تمامًا مع أنباء عن ظهور وباء جديد، يتحول بسببه الناس إلى ما يشبه الموتى آكلي لحوم البشر، لتبدأ الأحداث المثيرة التي يضطر معها البطل في رحلة بحثه عن مخرج للإنسانية من هذا الوباء للسفر إلى دولة أخرى، لتظهر على الشاشة وجهته بتلك الصورة السينمائية التقليدية (أورشليم- إسرائيل)، وبأسفلها الترجمة المصاحبة للفيلم تعلن باللغة العربية (القدس – فلسطين).

 ” فلسطين عربية ” لافتة عظيمة رغم بساطتها

يستيقظ باكرًا متأهبًا ليوم آخر طويل مع رحلته اليومية ليكسب قوت يومه، بجلبابه البسيط وملامح وجهه المتغضن وبشرته التي لفحتها أشعة الشمس الحارة، يعد عدته وقبل أن يخرج من الباب يعود أدراجه ليأتي بتلك الورقة البيضاء قبل أن يخط عليها شيئًا بيد ثابتة لا ترجف، يعلقها على عربته المحملة بالبطاطا التي يجول في الشوارع باحثًا عن من يشتريها منه، يلمحه ذلك الشاب ليقشعر بدنه ويسارع برفع هاتفه ليلتقط صورة لتلك الورقة وقد كتب عليها (فلسطين عربية).

“هل تحرر الأقصى؟ وهل تراجعت إسرائيل ومن خلفها أمريكا عن ضم القدس؟”، تتبادر تلك الأسئلة إلى الأذهان وتجري على الألسنة كلما حدثت مثل تلك المواقف، في نبرة تملؤها المرارة حينًا والسخرية أحيانًا، يستنكر أصحابها اعتبار تلك المواقف بطولية، لتكمن ههنا -ببساطة شديدة- المشكلة التي يعاني منها أهل السخرية والاستنكار، فتلك الثنائية القاتلة والتطرف الساذج في اتخاذ موقف حدي تجاه أي قضية هو أهم ما تقع فيه تلك العقلية،

فالنظر إلى المواقف الشعبية -وبخاصة الفردية منها- نظرة أن “إما الخروج وتجييش الشعوب أو لتصمت” هي نظرة ليست قاصرة وبشدة فحسب، وليست نظرة غير واقعية فقط وبعيدة كل البعد عن المنطق والفهم الحقيقي لدور الفرد والمجتمع والنخبة والمسؤول، وإنما تقطر يأسًا وانهزامية مطلقة واستسلام تام، يعطي للعدو ما فشلت في إعطائه جيوشه وانتصاراته المؤقتة على الأرض.

التاريخ يثبت

5 يونيو 1967 يوم استيقظ فيه العالم وقد احتل الكيان الصهيوني مساحات شاسعة من الأراضي المصرية والسورية والأردنية، وقد تضخمت مساحته أكثر من ثلاثة أضعاف مساحته يوم 4 يونيو، في صدمة ظن العدو نفسه أنه لن يستفيق منها العرب قبل أن تمر أجيال عدة، حتى خرج علينا بأسطورية جيشه الواهية التي تحطمت سريعًا على صخرة الحقيقة عدة مرات، فها هو الجيش المصري يذيقه الويلات في السادس من أكتوبر، قبل أن يظهر علينا حزب الله في عام 2006 وقد أعلن عن طرد الكيان الغاصب من الأراضي اللبنانية بالكامل، بل واستهداف مدنه، وهو ما تكرر مجددًا على يد كتائب القسام المقاومة، ولكن كيف حدث هذا؟

هل تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية عن دعم الصديق الصهيوني؟ أم تمكن العرب من الحصول على قوة أعلى وقدرة تسليح أعلى؟

يظن البعض أن الهزيمة إنما تكون بضياع الأرض أو تتأتى من ضعف العدة والعتاد، ويظن البعض أن كفة أمريكا -القوة العظمى والقطب الأوحد لهذا العصر- كافية لأن نرفع رايتنا البيضاء ونطأطئ الرؤوس، ويظن البعض أن الصمت قد يكون أفضل من همهمات بسيطة قد لا تصل حتى للآذان المصغية، ويظن البعض… ويظن البعض… وإن بعض الظن إثم، ولعل في كل ما سبق هو الإثم الأعظم الذي لا يضاهيه إثم، فكيف لإنسان أن يظن كل ما سبق وقد تحالف العالم وتاريخه وحاضره بل ومستقبله أيضًا ليثبت خطأ ما يظن؟!

فالتغيير والتغير يظل واحد من أهم سمات الحياة الإنسانية والعالم بأسره، أو كما يقول المثل “إن دامت لغيرك لم تكن لتصل إليك”، فكيف لك أن ترى في هذا الوضع الظالم غير الإنساني الدوام، وأن تظن أن نواميس الكون وسننه في التغير تتكسر لكي تدعم تلك النظرة المتشائمة اليائسة المحبَطة المحبِطة القانعة بالقبح والظلم، أين الفراعنة؟ وأين الأشوريين؟ وأين اليونانيين؟ وأين روما اليوم؟ وأين بريطانيا العظمى؟ وأين الاتحاد السوفيتي؟ فلِم يكون هذا الكيان الباطل هو الاستثناء؟

الأمل في قوة العقول والقلوب النابضة بالحق

إن الهزيمة الحقيقية لأي شعب وأي أمة لا تكون بانكسار الجيوش واحتلال الأرض، وإنما تكون باحتلال العقول وانكسار القلوب النابضة بالحق، ولن تكون القدس إلا عربية حتى ولو وقف العالم كله في صف العدو، مادام بين ظهرانينا فتى ضعيف البنية يمسك حجارته التي لا تكاد يتسع لها كفه الدقيق وهو يلقي بها في وجه العدو، وقد أدرك قلبه الصغير أن هذا هو العدو ولا عدو غيره،

ولن تكون القدس إلا عربية مادامت هناك قلوب توجل وترتجف مع ذكر مظلومية فلسطين، ولن تكون القدس إلا عربية مادامت هناك ألسن تهمهم بعربيتها تلك الهمهمات التي لن تلبث أن تتحول لصوت هادر يصم آذان الخائن قبل العدو، ولن تكون القدس إلا عربية مادام هناك من يرفض هذا الكيان ولو كانت على ترجمة لن يراها سواه هو وقلة من بني جلدته، ولو كانت على عربة قوت يومه التي ربما لن يلتفت لها أحد ولكنها تكفي لكي تعلن أن مازال هناك عقول تعي وقلوب تأبي ونفوس تعلم أن القدس عربية.

اقرأ أيضاً:

ستبقى فلسطين القضية الحية

سفر فلسطين – المسيح بيننا

كيف تقضي على القضية الفلسطينية

الوسوم
اظهر المزيد

محمد صابر

مهندس حر

باحث في علوم التربية وفلسفة التعليم بمركز “بالعقل نبدأ”

دراسات عليا في كلية التربية جامعة المنصورة

حاصل على دورة إعداد معلم (TOT) من BRITCH FOUNDATION TRAINING LICENSE المعتمد من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق