اقتراحات الموقعمقالات

الكندي فيلسوف العرب والمسلمين – الجزء الأول

قبل البدء في الخوض في الكتابة عن هؤلاء العمالقة، عمالقة الفكر الفلسفي الإسلامي ، لا بد من التعرف على الأسباب المهمة التي دفعتني إلى الكتابة، فرب سائل يسأل لماذا ترهق نفسك في الكتابة عن هؤلاء الأعلام وسيرهم تملأ الكتب ودوائر المعارف؟

الإجابة بمنتهى البساطة: هل الكل مستعد لقراءة هذه التراجم؟ هل الجميع متساوون في حب الاطلاع على تراث أجدادنا؟ الإجابة للأسف لا لكثرة المشاغل والأعباء الحياتية، لكن عندما نكتب على الفيس مقالا من الممكن أن تقع عليه العين حتى ولو صدفة، فمن باب حب الفضول يحاول صاحب الحساب أو الصديق أو حتى صديق الصديق أن يتعرف على شخصية مثل شخصية الكندي، وبذلك نكون قد أدينا دورا فاعلا في نشر موروثاتنا الفكرية.

أيضا محاولة من جانبنا لنشر الفكر الفلسفي الإسلامي في صورة مبسطة تتماشى مع الإنسان البسيط بطريقة سلسة مبسطة لا يمل منها القارئ. كذلك محاولة من جانبي لوضع خطوط عريضة لأفكار جديدة تصلح لبحوث يستفيد منها شباب الدارسين في مجال الفكر الفلسفي الإسلامي .

وهدف شخصي ألا وهو إشباع رغبة بداخلي وهي حب القراءة والكتابة الفلسفية التي أبلورها على هيئة مقالات. كذلك ثم سبب آخر هو ألا ندخل بعلومنا تحت باب كاتمي العلم، فعلمنا ليس مقصورا على قاعات الدرس فقط بل نريد أن ننشره على هيئة مقالات، ندوات، كتب، محاضرات، مؤتمرات، بحوث، المهم أن نوصل معلومة سلسة بسيطة نخاطب بها كافة المستويات الثقافية.

أبو إسحاق الكندي (185/252ه‍)

اسمه ونسبه:

هو أبو يوسف يعقوب بن اسحاق الكندي _بكسر الكاف والدال_ يرجع نسبه إلى قبيلة كندة، أي من أصل عربي صميم، وكندة هذه إحدى القبائل اليمنية، لقب بفيلسوف العرب تمييزا له عن سائر فلاسفة الإسلام الذين ينحدرون بنسبهم إلى أصول غير عربية سواء تركية أو فارسية. ولقبه البعض فيلسوف الإسلام. (ونلقبه نحن بالمفكر الفيلسوف، فالفكر لا دين له ولا وطن).

برع الكندي في الفلسفة والآداب، وكان على دراية ومعرفة بالطب، ومعرفة بالنجوم، وإن كنت أرى أن هناك فرقا بين التنجيم وعلم أحكام النجوم، فالتنجيم يعني الاحتكام إلى النجوم ومعرفة وقراءة الطالع وخلافه، فتلك أفاعيل المنجمين والدجالين. أما علم أحكام النجوم فهو علم الفلك الذي من خلاله نتعرف على الشهور ومواسم الحصاد والزراعة ومعرفة فصول العام وخلافه. تلقى علومه الشرعية في البصرة، ثم انتقل إلى بغداد لاستكمال تعليمه فدرس الفلسفة وذاع صيته واشتهر.

مؤلفاته المهمة:

ترك الكندي العديد من الرسائل جمعها الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة في ما عرف في الأوساط الفلسفية برسائل الكندي الفلسفية، وقد ذكر ابن النديم في فهرسه أن للكندي ما يقرب من مائتين وإحدى وأربعين رسالة في مختلف المجالات.

ومن مؤلفاته المهمة رسالة في وحدانية الله وتناهي جرم العالم (بكسر الجيم)، ورسالة في الفلسفة الأولى إلى المعتصم بالله، ورسالة الحيلة في دفع الهم والأحزان، ورسالة في سجود الجرم الأعظم، ورسالة في كمية كتب أرسطو وغيرها. كما اشتهر عن الكندي أنه كان مترجما بارعا يتقن لغات كثيرة، من أشهر أعماله إصلاح ترجمة عبد المسيح بن ناعمة الحمصي لكتاب الربوبية، أو الأثولوجيا المنحول على أرسطو.

حظي الكندي بمنزلة عظيمة عند الخليفة المأمون، واستمرت في عهد المعتصم، وفقدها عندما تولى الخلافة المتوكل. وإن كنت أرى أن على العلماء أن ينأوا بأنفسهم من التقرب إلى السلطة، فهم منفردون متفردون بعلومهم وهم الذين يُسعى إليهم لا هم الذين يسعون إلى التودد إلى فلان وعلان، فالعلم يرفع صاحبه مكانا عليا. أما التودد والوقوف على أبواب السلاطين يفقد العلماء هيبتهم وقيمتهم، وإذا ما ضاعت هيبة العلماء فلا يؤخذ منهم علم، وهذا رأيي. توفي أبو إسحاق الكندي في عصر المتوكل عام 252ه‍.

فلسفته، نجمل فلسفته في ما يلي:

موقفه من الفلسفة الأولى:

تعريفاته للفلسفة:

اقتفى الكندي الأثر اليوناني في تعريفه الفلسفة، وإن كان ذلك لم يمنع من تأثره بالموروث العقدي على النحو الذي سنرى. أما عن اشتقاقها فهي حب الحكمة، على النحو الذي عرفها به سقراط، وأنه ليس حكيما وإنما محب للحكمة لأن الحكمة لا يتصف بها إلا الإله.

كذلك قدم الكندي تعريفا للفلسفة ظهر من خلاله تأثره بنزعته الدينية، يقول: “هي التشبه بأفعال الله تعالى بقدر طاقة الإنسان”، بمعنى أنه على الإنسان أن يتمثل كل صفات الحق والخير والجمال التي يتصف بها الله تعالى قدر طاقته، أي أن يسعى جاهدا لتحقيق الفضائل، وهو بذلك يتمثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “تخلقوا بأخلاق الله”.

كما قدم الكندي تعريفات أخرى للفلسفة هي العناية بالموت، والموت عنده موت طبيعي وهو مفارقة الروح للبدن. والثاني إماتة الشهوات، لأنه يرى أن إماتة الشهوات هو السبيل إلى تحقيق الفضيلة.

العلاقة بين العقل والنقل، أو التوفيق بين الفلسفة والدين:

نجد الكندي من المؤيدين التوفيق بينهما، حيث حاول إثبات اتفاقهما من حيث الموضوع لا من حيث المنهج، من حيث الموضوع كلاهما يحاول أن يصل إلى الحق الأول الله تعالى، الوصول إلى معرفة الله تعالى، أما المنهج فهو مختلف فمنهج الفيلسوف تأملي بحثي، أما منهج رجل الدين فهو تسليمي.

فالفلسفة تتضمن موضوعات يسعى الدين إلى ترسيخها، يقول عن الفلسفة: “لأن في علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية، والوحدانية، والفضيلة، وجملة علم كل نافع والسبيل إليه والبعد عن كل ضار والاحتراز منه، واقتناء هذه جميعا هو الذي أتت به الرسل عن الله جل ثناؤه”.

فهذا هو الاتفاق في الموضوع. أما الاختلاف ففي المنهج، فعلوم الأنبياء وهبية، أي هبة من الله تعالى عن طريق الوحي والإلهام، أما علوم الفلاسفة فتأتي عن طريق الكسب والتدريب والتأمل والتجربة وطول البحث. _ولا بد ونحن في هذا الشأن أن ننبه على أن الكندي أعلى من النبوة والأنبياء ورفعهما مكانا عليا.

وقد تأثر به تلميذه أبو زيد البلخي في هذه المسألة، يقول البلخي: الشريعة هي الفلسفة الكبرى، ولا يكون الرجل متفلسفا حتى يكون متعبدا مواظبا على أوامر الشرع ونواهيه.

أما باقي فلسفة الكندي فسنتعرف عليها في الجزء الثاني من المقال حيث سنتناول حديثه عن الله ووحدانيته وصفاته.

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اقرأ أيضاً:

الفيلسوف الهندي طاغور

علماء أوزبكستان ودورهم في تطور الحضارة الحديثة

أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني

اظهر المزيد

أ. د. عادل خلف عبد العزيز

أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

مقالات ذات صلة