مقالات

آفة “التاتش”

من الآفات التي لا تخطئها العين المدققة، آفة “التاتش” التي أضحت معلمًا واضحًا من طقوس حياتنا اليومية، فلا يكتفي المرء بحيازة المعلومة أو الخبر، بل لا بُدَّ من أن “يُجود” فيضع ما يعتبره أو يظنه بصمة على تلك المعلومة المسكينة.

أنا أتحدث بمصطلحات اليوم من “التاتش” و”التجويد”، لكي يكون للكلام وقع على القلوب والأفهام، ولم ينتبه صاحبنا وهو يحاول تجميل المعلومة قدر الإمكان أنه جنى على مضمونها وفحواها حتى صارت شوهاء لا معالم لها، فلم يكن صاحبنا أول جراح تجميل تزوره تلك المعلومة، فمعلومتنا هذه زبونة مستديمة لدى العيادات والمستشفيات ومراكز التجميل.

المعلومة قد تكون خبرًا عاديًا يوميًا، أو حدثًا تاريخيًا مهمًا أو غير مهم، وقد تكون قيمة مادية لسلعة ما، أو ربما عن فن ما أو علم ما، أو حديثًا نبويًا أو آية قرآنية أو، أو،أو، فهي ما تريد إيصاله كله لغيرك تبتغي بذلك الخير له، ولسنا في صدد الكلام عن سوء النوايا والطوايا والمفسدين، بل نتكلم عن مريد للخير ينشده.

كم من مريد للخير لم يصبه

الآفة هنا تأتي من مهارة ما قد أوتيها صاحبنا، قد تكون حُسن صوت، أو جمال أداء، أو حُسن ترتيب وتنسيق، أو تخصصًا بقدر ما في فرع من العلوم والمعرفة، أو حافظة قوية، أو مقدرة على ربط الأحداث واستنتاج ما قد يخفى على غيره، أو غير ذلك وهو كثير لا يكاد ينتهي.

وبدلًا من أن ينمي صاحبنا مهارته التي يحسنها، تعدّاها إلى ما لا يحسن، فأفسد وقد كان يريد خيرًا، ورحم الله عبد الله بن مسعود لما قال: “وكم من مريد للخير لا يبلغه”.

ليست قدرتك على سرد الوقائع والأحداث والربط بينهما تجعل منك مؤرخًا، ولا بالكلام المنمق في أسعار السلع والركود والتضخم والعملة الصعبة والسهلة أنك أصبحت اقتصاديًا، ولا لكونك تحسن التعليق على مباريات كرة القدم أنك بذلك تستطيع تدريب فريق كرة قدم، وليس تملكك لصفحة على هذا الفضاء الأزرق من الفيس بوك وغيره يعني أنك كاتبٌ مبرزٌ يحق لك أن تكتب ما تشاء!

الكلام المنمق شيء والواقع شيء آخر

الجناية هنا على تلك المعلومات التي هي قوام العلم، فلو ظللت تجمع معلومات خاطئة وغير سديدة إلى جوار بعضها، وسلمتها لأرفع المؤسسات العلمية المستشرفة لأحوال المستقبل، لأعطتك نتائج خاطئة بلا شك.

والجناية الأكبر على الأجيال التي تنشأ في هذه الأجواء المفعمة بالهبد والفَتْي، فبدلًا من أن نؤمل أن تخرج أمتنـا علماء وقادة ومفكرين وأدباء حقًا، يخرج لنا كُسير وعُوير(1) وثالث ما فيه خير.

إن من واجب الوقت أن يلتزم كل منا ما يحسنه فقط، فالتعرض لما لا تحسنه هلكة في العاجل والآجل.

من جهة أخرى، فلسنا في زمان مالك والشافعي، حيث العالم الموسوعي بحق، الذي لا يستنكف مع سعة علمه واطلاعه أن يسأل من هو أعلم منه في شيء لم يبلغه علمه، بل نحن في زمان أحوج ما نكون إلى التعالي عن الشخصنة للأمور والرفع من الذات، ولو على حساب الثوابت والأخلاق، نحتاج إنكارًا للذات، وتكاتفًا بين من يُحسنون، لإدراك السفينة قبل أن تغرق.

 

(1) – يضرب في الشَيء يُكْرَه ويُذَم من وجهين لا خير فيه البتة.

مقالات ذات صلة:

السياسة والرقص بالكلمات!

الوعي وأزمة المصطلحات

قيمة كل امرئ ما يحسنه

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د . محمد درويش درويش

رئيس قسم أصول التربية الأسبق ـ كلية التربية جامعة السويس