قضايا شبابية - مقالاتمقالات

الكسب الحلال

(العفةوالقناعة في تحصيل المال)

يؤدي جمع الأموال بطرق شرعية وقناعة بما رزق الله إلى تجنّب الكسب الحرام الذي يمنع من استجابة الدعاء، كما أن العفة تدفع كل فرد لتأدية عمله وواجبه ضمن الحدود المباحة، ومن أسباب نجاح المؤمن منع النفس من الحرام، والسعي في الكسب الحلال ، ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الإنسان القانع يحبّه الناس ويحبه الله، وتحقّق له القناعة خيرا في الآخرة والدنيا، فهي طريق للجنة، كما أنها سبب البركة، حيث إنها كنز لا يفنى، والإنسان الطماع لا يشبع أبدا، ولا يشعر بالبركة في الزرق، ويلحّ في سؤال الناس.

الشباب والعزوف عن المهن

فاليد التي تعمل وتتكسب الرزق الحلال هي التي تعطي، وهي التي تعمل من أجل إعفاف النفس عن التذلل للآخرين، أعطوه أو منعوه، وإن من فضل الله تعالى علينا أن فتح لنا أبوابا كثيرة للعمل، والدولة حريصة على فتح أبواب كثيرة للعمل من أجل الجميع، وما هذه الكليات والمعاهد والمدارس التي تتخصص في كثير من المهن إلا وسيلة لأهل الجد من الشباب للحرص على تعلم ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.

وهناك مهن كثيرة يستطيع الشخص أو الشاب أن يتعلمها، وأن يعمل بها ويستفيد منها ويفيد بها مجتمعه، ويستطيع عن طريقها إثبات مهاراته المتنوعة التي امتن الله بها عليه، مثل: الحاسب الآلي، والكهرباء، والميكانيكا، والبناء، والحدادة، وغيرها من المهن التي كان أجدادنا حريصين على تعلمها والاستفادة منها.

فلماذا أصبح كثير من الشباب يعرضون عن هذه المهن وينصرفون إلى غيرها من الوظائف؟ ولماذا لا يملؤون الفراغ الموجود حاليا في مجتمعنا من هذه المهن الشريفة؟ هل لأنها لا تناسب مكانتهم؟ فليست الرفعة في المنصب أو الجاه أو غيرها من أعراض الدنيا الزائلة، إنما الرفعة لمن طلب مرضاة الله تعالى، وحرص على الرزق الحلال ، والله تعالى جعل لكل إنسان بحسبه من المهارة في عمله، فبقدر محبته لمهنته بقدر ما يبذل من جهد لينفع بها نفسه وينفع بها الآخرين، وإني أحث الشباب على الاقتداء بالأنبياء والمرسلين في تعلم المهن التي تكون لهم بابا من أبواب إعفاف النفس ونفع عموم الناس.

السيدة رضا

ولنا فى السيدة رضا _التي ظهرت في أحد الفيديوهات على الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي في برنامج (مذيع الشارع) وهي تعمل عاملة في أحد الأندية_ خير مثال، حيث أخبرها المذيع أنها في برنامج مسابقات وسيتم منحها جائزة مالية عند إجابتها الصحيحة على سؤال المسابقة، وعندما قام بإعطائها المبلغ  قالت متسائلة: “هي الفلوس دي حلال؟ علشان أنا مشقيتش بيهم!”،

وكأن تلك السيدة تريد إيصال رسالة إلى الجميع بأنه ليس من حق أي شخص أن يتاقضى أمولا إلا من خلال العمل والشقاء وبذل المجهود، وأن الإنسان يجب عليه أن يكد ويجتهد ويعمل ويأكل من عمل يده، وتبين فيما بعد أن هذه السيدة العظيمة تقوم على رعاية أيتام لها من خلال عملها وتحاول أن تتحرى الحلال في الأموال التي تنفقها عليهم حتى تحل عليها البركة في الرزق.

تلك السيدة وغيرها من السيدات يجب أن يصبحن نماذج يُحتذى بهن في العفة والزهد والورع وتحري الكسب الحلال والمشروع والقناعة بما قسمه الله لهن،

ومن آثار هذه القناعة ما يلي:
  • غنى النفس: عادةً ما لا ينظر الإنسان القنوع إلى ما متع الله تعالى به غيره من نعم وخيرات، وبالتالي يكون الإنسان قنوعا برضى النفس.
  • الحد من الذنوب الباطنة: مثل الحسد، والحقد.
  • عزة النفس: حيث لا يذل الإنسان نفسه بالطمع، بل يكون غنيا عن الناس، وعزيزا بينهم، وتكون أخلاقه حميدة، ويعمل بجد.
  • تجعل صاحبها حرا: حيث لا يتسلط الآخرون عليه، على عكس الطمع الذي يجعل صاحبه عبدا لغيره.
  • سبيل للراحة النفسية: حيث يعيش الشخص القانع في راحة واطمئنان دائم، بينما يعيش الطماع مهموما.

كما أن القناعة تُسهم في جعل قلب الفرد مطمئنّا ومؤمنًا بالله، راضيًا بالقضاء والقدر، وتُؤدّي إلى أن يحيا المجتمع حياة هنيّة طيبة، خالية من الكراهية والبُغض والضّغينة، فيرتقي الفرد والمجتمع إلى درجات عليا من التقدّم والنجاح، حيث إنّها تحمي الفرد من الذنوب المهلكة كالغيبة والنميمة والحسد، وتؤدي إلى أن تسود الألفة بين أفراد المجتمع وروح التكافل الاجتماعي، وتمنح الفرد حرّيتهُ وتقيه من العبودية والمذلّة، بالإضافة إلى أنها تمنحه راحة نفسية وطمأنينة في العيش بسلام.

أهمية القناعة

ولا يُمكن أن نغفل أهمية القناعة في حياة الإنسان، فهي تؤدّي إلى الرخاء النفسي والجسدي، والتخلّص من العبودية للمادة، حيث تجعل الإنسان عزيزًا كريمًا مترفعًا عن صغائر الأمور، لذلك فإنّ الإنسان القانع هو أكثر سعادة واستقرارًا، وهو غنيّ النفس لا يطلب حاجته إلّا من الله عزّ وجل، وقد قيل إنّ السعادة كنز لا يفنى أو القناعة كنز لا يفنى، لأنّها تُحرّر الإنسان من جبروت المادّة وتسلّطها، فالمال يزيد وينقص وربما يذهب كلّه، ولكن تبقى المحاسن والفضائل والقناعة تاجًا على رؤوس أصحابها.

ومن أهم مميّزات القناعة:

أنّها تؤدّي إلى تقوية الإيمان بالله وترويض النفس، والرضا بما قسمه الله تعالى في كل حال، والنظر في حال الصالحين وزهدهم وكفافهم وإعراضهم عن الدنيا وملذاتها، بالإضافة إلى تأمّل أحوال من هم أقلّ منّا، والتفكُّر في نعم الله عز وجل، ومعرفة الحكمة من تفاوت الأرزاق بين العباد، فالعلم بأنّ الرزق لا يخضع لمقاييس البشر وإنّما هو مقدّر من عند الله وعلينا فقط السّعي من أجل الحصول عليه وعدم التراخي والتواكل، كما أنّ العزّ كلّه في القناعة والذلّ في الطمع، وتؤدي القناعة إلى العزوف أيضًا عن الدنيا وملذّاتها والسّعي الدائم إلى إشاعة الألفة والمحبة بين الناس.

اقرأ أيضاً:

الصبر مواجهة

تحايل لكي تعيش

قلبي اطمأن

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

اظهر المزيد

أ. اسماء الشاعر

معلم أول لغة عربية بالأزهر الشريف

مقالات ذات صلة