مقالات

لماذا يكذب الإعلام .. الجزء الأول

رغم أن أهم مقومات الإعلام المصداقية فإنك تجد مع ذلك أن تسعين بالمئة من الكذب في هذا العالم أو يزيد يتركز في الإعلام، أما لماذا يكذب الإعلاميون؟! فهذا سيجرنا بالضرورة إلى سؤال آخر: ما الإعلام؟ فلكي نعرف لماذا يكذب الإعلام لا بد أن نفهم معنى الإعلام وما هي مهمته وما هي مهنته.

الإعلام بالأساس عملية نقل الخبر، وهو مصطلح يطلق على أي وسيلة ربحية أو غير ربحية رسمية أو غير رسمية، تكون مهمتها نشر الأخبار ونقل المعلومات.

ولمفهوم أوسع لعملية نقل الخبر يمكن القول بأن الإعلام إلى جانب نقل الخبر بأمانة، مسؤول كذلك عن تصحيح المفاهيم وتوضيح الحقائق المرتبطة بذلك الخبر لنشر الوعي بقيمة الخبر نفسه، بمعنى أنه لا يكفي أن ينقل الإعلام الخبر، فقد لا يستوعب المتلقي أهمية الخبر ومدى خطورته إلا إذا قُدِّم إليه هذا الخبر مصحوبًا بمعنى الخبر، وذلك بأن يُقدَّم مقترنًا بالحقائق التاريخية والواقعية المرتبطة به لضمان أن يُفهم في سياق صحيح ودقيق، فليس المقصود نقل الخبر مجردًا بل نقل الحقيقة ونقل الوعي، ومن هنا جاءت مهمة توضيح ما يعنيه الخبر، وهذه المهمة تتطلب أيضًا أعلى درجات الأمانة والصدق، فالإعلام في الأصل مهنة الأمانة والصدق، لكن المفارقة أن آفة الإعلام الآن الكذب، وبعد أن كانت أهم مقوماته الصدق صارت أهم مقوماته الكذب، فكيف ومتى حدث ذلك؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال دون نظرة تاريخية إلى الإعلام…

مراحل تطور وسائل الإعلام

ارتبط ظهور وسائل الإعلام بظهور الإنسان على الأرض، فالإعلام ضرورة إنسانية، لكن صورته القديمة بالطبع تختلف عما صار إليه الآن، فقد تطور الإعلام مرورًا بمحطات كثيرة، لقد تطور بتطور البشرية نفسها فكريًا وثقافيًا وصناعيًا وتكنولوجيًا، وتطورت أدواته بتطور كل ذلك، فعلى سبيل المثال أنت لم تعد في حاجة إلى طابع بريد لكي ترسل رسالتك فقد ظهر الفاكس، ثم إن الفاكس اختفى وظهر الإيميل والواتس آب والماسنجر وغيرها، وقريبًا ستظهر وسائل أكثر تطورًا.

لم يعد الناس في انتظار وصول القوافل التجارية لتأتيهم بالأخبار من البلاد الأخرى أو من ميدان المعركة، فأنت تجلس في بيتك وتفتح التلفاز لتأتيك كل الأخبار بمختلف أنواعها دفعة واحدة من كل أنحاء العالم، حتى هذه صارت وسيلة متخلفة تضطرك لانتظار موعد نشرة الأخبار، بينما الإنترنت يقدم لك كل ما تريد من خبر ومعلومة وقتما تريد دون انتظار لأي ميعاد، وما زالت أدوات الإعلام تتطور ولا أحد يدري إلى أي أفق ستصل.

هذا عن الوسائل.. فماذا عن الإعلام نفسه؟

صناعة الكذب في الإعلام

صناعة الكذب

الإعلام نفسه لم يتغير ولم يتطور، فالكذب هو نفس الكذب لأن الإنسان هو نفس الإنسان، فالإعلام ما زال أسير النفس البشرية وأغراضها وهواها، يتحكم فيه من يصنعونه وفقًا لمصالحهم ورغباتهم وأيديولوجياتهم.

كان الشعر قديمًا ديوان العرب الذي ينقل أخبارهم ومفاخرهم وتاريخ أمجاد القبيلة، وكان ميلاد شاعر في القبيلة حدث عظيم مفرح يستحق الاحتفال، إذ كان يُدعى وجهاء القوم وتُصنع الولائم احتفالًا بميلاد شاعر سيرفع ويُعلي من أمجاد القبيلة ويحفظ لها تاريخها ويمجده ويخلده، فالشعر وحده وسيلة الإعلام، ومن هنا بدأ الكذب، فالحقيقة يجب أن تُجمَّل وأن تُنقَّى وألا يظهر منها إلا كل ما يدعو للفخر.

ولأن خطورة الشعر باعتباره مصدر الإعلام الوحيد وقتها تأكدت أنها كوسيلة للتأثير في الناس، راحت الناس تستخدمه في أغراض عدة، مثل الهجاء والسخرية والتعريض بالخصوم، وفي النفاق من أجل كسب المال. وفي هذا الإطار جاء ما قاله ابن هانىء الأندلسي في مدح الخليفة الفاطمي المعز لدين الله:

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ            فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ

وكأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ                    وكأنّما أنصاركَ الأنصارُ

أنتَ الذي كانتْ تُبشِّرنَا بهِ                في كُتْبِها الأحبارُ والأخبارُ

هذا إمامُ المتَّقينَ ومنْ بهِ                 قد دُوِّخَ الطُّغيانُ والكُفّار

هذا الذي ترجى النجاة ُ بحبِّهِ           وبه يحطُّ الإصرُ والأوزار

هذا الذي تجدي شفاعته غدًا          وتفجَّرَتْ وتدفّقَتْ أنهار

فهذا نوع من الإعلام حول الحاكم إلى إله حقيقة لا مجازًا، بل أكبر من الإله! فمشيئته تغلب مشيئة الله، وانظر إلى قوله: “ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ.

حتى المتنبي كان يتكسب من “النفاق الإعلامي”، نجد مثلًا أنه في رحلة بحثه عن المال اتخذ مواقفَ متناقضة حين امتدح سلطةً وذم أخرى، أو امتدح السلطة ثم ذمّها هي نفسها، كما حدث مع حاكم مصر كافور الإخشيدي الذي قال في مديحه:

قَواصِدَ كافورٍ تَوارِكَ غَيرِهِ                 وَمَن قَصَدَ البَحرَ استَقَلّ السَواقِيا

فهو هنا يصور ما يلقاه قاصدو كافور من الغنى والثروة، وأن من يقصده لا يمكن أن يقصد غيره، فمن قصد البحر تأبى نفسه أن ينظر إلى الجدول والغدير الصغير.

لكن عندما لم يعطه كافور شيئًا مقابل هذا النفاق هجاه في قصيدة أخرى قال فيها:

أكلما اغتال عبد السوء سيده           أو خانه فله في مصر تمهيد

صار الخصي إمام الآبقين بها            فالحر مستعبد والعبد معبود

نامت نواطير مصر عن ثعالبها          فقد بشمن وما تفنى العناقيد

العبد ليس لحر صالح بأخ               لو أنه في ثياب الحر مولود

لا تشتر العبد إلا والعصا معه           إن العبيد لأنجاس مناكيد

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن          يسيء بي فيه عبد وهو محمود

ولا توهمت أن الناس قد فقدوا        وأن مثل أبي البيضاء موجود

فالمنافق يتحول بسهولة من الموقف الى نقيضه دون الشعور بأي خجل، وذلك ببساطة لأنه اعتاد الكذب وفقد الحياء منذ زمن بعيد، وقد ينزعج بعضهم من وصف شاعر مثل المتنبي بالمنافق، وهذا التباس مشهور عند البعض، فالأمر لا علاقة له في الحقيقة بالمقومات الشخصية للمنافق مثل الموهبة أو الكاريزما أو غيرها، وهذا شيء من المهم جدًا التأكيد عليه، لأنه يحدث كثير من الالتباس حوله، أو إن شئت فقل الافتتنان، فالمنافق قد يكون شخصية كاريزمية لها قبول ولها معجبون، فيمكن أن يكون إعلاميًا متألقًا دون أن يمنع ذلك من كونه أرزقيًا كذابًا متكسبًا يبيع الحقيقة من أجل المال، وموهبته الحقيقية تحويل الحق إلى باطل والباطل إلى حق كلما طُلِب منه ذلك وبمهارة فائقة.

وللحديث بقية…

مقالات ذات صلة:

في الصحافة والإعلام توجد قاعدة تقول

الإعلام حصان طروادة الحديث

كيف يُوجه الإعلام العقل الجمعي؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ . شامخ الشندويلى

الشاعر والكاتب والسيناريست المعروف