عندما ينقلب السهم وتضيع الدلالة
تصحيح أخطاء شائعة في نمذجة القياس النفسي بين (Amos وSmartPLS)

لا يزال بعض الباحثين، للأسف، يرسمون نموذج القياس في التحليل العاملي التوكيدي بحيث يكون رأس السهم متجهًا من المفردة إلى المتغير الكامن، سواء في برنامج (Amos) أو (SmartPLS-4)، كأننا أمام نموذج تكويني لا نموذج قياس.
دعنا نكون مباشرين: هذا التمثيل خطأ مفاهيمي ومنهجي، وليس محض اختلاف في “الرسم”. ففي نموذج القياس الانعكاسي (Reflective Measurement Model)، وهو النموذج الافتراضي في القياس النفسي والتربوي، يكون المتغير الكامن هو السبب، والمفردات هي الأثر، أي أن السهم يجب أن ينطلق من المتغير الكامن إلى المفردة، لا العكس. فالمفردة لا “تنشئ” السمة النفسية بل تعكسها، فالقلق والدافعية والاتجاه، أو الذكاء ليست نواتج بنود الاستبيان، وإنما البند هو مؤشر غير كامل على بناء كامن أعمق (Bollen, 1989، Brown, 2015).
وقلب اتجاه السهم لا يغيّر الشكل فقط، بل يغيّر الفلسفة الكامنة وراء النموذج. وحين ترسم الأسهم من المفردات إلى المتغير الكامن، فأنت فعليًا تتعامل مع نموذج تكويني (Formative Model)، حتى لو لم تقصد ذلك. هذا يعني أن حذف مفردة واحدة يغيّر معنى المتغير الكامن نفسه، وهو أمر غير مقبول في غالبية المقاييس النفسية التي تقوم على الاتساق الداخلي والتكافؤ الدلالي للمفردات. الأخطر من ذلك أن بعض الباحثين يفعلون هذا في (CFA) ثم يتحدثون عن صدق تقاربي وثبات مركب كأن شيئًا لم يكن، في حين هذه المؤشرات تفترض صراحة نموذجًا انعكاسيًا (Hair et al., 2022).
يمتد الخلل المنهجي ذاته إلى مرحلة التحليل العاملي الاستكشافي، حين يصرّ بعضهم على استخدام طريقة المكونات الأساسية (Principal Components Analysis) باعتبارها “الأسهل” أو “الأفضل” في البرامج الإحصائية.
هنا أيضًا يجب أن نقولها دون تجميل: (PCA) ليست تحليلًا عامليًا بالمعنى السيكومتري، هي تقنية اختزال بيانات (Data Reduction)، لا تقنية كشف بنية كامنة (Latent Structure)، وأن المكونات الأساسية لا تميّز بين التباين المشترك والتباين الفريد والخطأ، في حين جوهر القياس النفسي يقوم على نمذجة التباين المشترك بين المفردات بوصفه ناتجًا عن عامل كامن.
لذلك، إذا كان الهدف بناء مقياس أو التحقق من أبعاد سمة نفسية، فإن استخدام طريقة المحاور الأساسية (Principal Axis Factoring) أو الاحتمالية العظمى هو الخيار المنهجي الصحيح، لأنها تتعامل صراحة مع مفهوم العامل الكامن (Fabrigar et al., 1999، Costello & Osborne, 2005).
لا يقل خطورة عن ذلك، الإصرار على استخدام التدوير المتعامد (Varimax) مع مفردات نفسية كأننا نفترض أن القلق لا يرتبط بالاكتئاب، وأن الدافعية لا تتقاطع مع الكفاءة الذاتية. هذا افتراض نظيف جدًا، لدرجة أنه غير واقعي.
فالمتغيرات النفسية بطبيعتها مترابطة، والتدوير المائل (Oblique Rotation) مثل (Promax) أو (Oblimin) ليس رفاهية إحصائية، بل ضرورة نظرية، وأن استخدام تدوير متعامد في سياق يفترض ترابط العوامل يؤدي إلى تشويه بنية العامل، وتقليل معاملات التحميل الحقيقية، وإعطاء صورة زائفة عن “استقلال” الأبعاد (Tabachnick & Fidell, 2019).
المفارقة أن هذه الأخطاء تتكرر حتى في بحوث تستخدم أحدث الإصدارات من (Amos) و(SmartPLS-4)، كأن تطور البرمجيات يعوّض غياب الوعي المنهجي. الحقيقة أن البرامج لا تفكر نيابة عنا، هي فقط تنفّذ ما نطلبه بدقة، حتى لو كان ما نطلبه خاطئًا.
فالنموذج الجيد لا يبدأ من واجهة البرنامج، بل من منطق القياس: ما طبيعة المتغير؟ هل البنود انعكاسية أم تكوينية؟ هل أبحث عن بناء كامن أم محض تركيب خطي؟ هل أفترض ترابط الأبعاد أم استقلالها؟ الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد اتجاه السهم، وطريقة الاستخراج، ونوع التدوير، وليس العكس.
الخلاصة، وبأسلوب لا يقبل الالتباس: في القياس النفسي والتربوي، المتغير الكامن يفسر المفردة لا العكس، والتحليل العاملي الاستكشافي الحقيقي لا يختزل في (PCA)، والمتغيرات النفسية لا تعيش في جزر معزولة حتى نجبرها على تدوير متعامد، وأي بحث يتجاهل هذه المسلمات قد يكون أنيقًا في الجداول، لكنه هش في الأساس العلمي.
وبصراحة مهنية خالصة السهم المقلوب ليس محض خطأ رسومي، بل مؤشر على أن النموذج بأكمله يحتاج إلى إعادة تفكير من الجذور.
مش كدا ولا إيه؟!
المراجع:
Bollen, K. A. (1989). Structural equations with latent variables. Wiley. https://doi.org/10.1002/9781118619179
Brown, T. A. (2015). Confirmatory factor analysis for applied research (2nd ed.). Guilford Press.
Costello, A. B., & Osborne, J. W. (2005). Best practices in exploratory factor analysis. Practical Assessment, Research, and Evaluation, 10(7), 1–9. https://doi.org/10.7275/jyj1-4868
Fabrigar, L. R., Wegener, D. T., MacCallum, R. C., & Strahan, E. J. (1999). Evaluating the use of exploratory factor analysis. Psychological Methods, 4(3), 272–299. https://doi.org/10.1037/1082-989X.4.3.272
Hair, J. F., Hult, G. T. M., Ringle, C. M., & Sarstedt, M. (2022). A primer on partial least squares structural equation modeling (PLS-SEM) (3rd ed.). Sage.
Tabachnick, B. G., & Fidell, L. S. (2019). Using multivariate statistics (7th ed.). Pearson.
مقالات ذات صلة
سلسلة نظرية الأمل، والعلاج بالأمل
التقييم والتقويم وصولًا للقيمة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا