مقالات

القواعد الذهبية في سياسة عنترة بن شداد

الواقع أن كلا منا له شخصيته الخاصة به، ولا يخلو أحد منا من شخصية. إنما الفرق بين بعض الناس وبعضهم الآخر هو في قوة الشخصية وضعفها، وليس في وجودها وعدمها. ولكلّ أمّة فضائل ورذائل، ولكلّ قوم محاسن ومساوئ، ولكلّ طائفة من الناس في صناعتها وحلّها وعقدها كمال وتقصير، وهذا يقضي بأنّ الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مُفاضة على جميع الخلق، موزَّعة عليهم كلّهم:

“فللفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم، وللرّوم العلم والحكمة، وللهند الفكر والرويّة والخفّة والسّحر والأناة، وللتُّرك الشجاعة والإقدام، وللزّنج الصبر والكدّ والفرح، وللعرب النّجدة والقِرى والوفاء والبلاءُ والجودُ والذِّمام والخطابة والبيان… وقد بان بهذا الكشف أنّ الأمم كلّها تقاسمت الفضائل والنقائص باضطرار الفطرة، واختيار الفكرة.” (أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة).

وحتى لا يُفهم من كلام أبي حيان التوحيدي أن الصفات التي ذكرها خاصة بكل أمّة ومقصورة عليها دون سواها، فيمكن القول أن هذه الصفات قد تكون غالبة في أمَّة من الأمم، ولكنها موجودة في غيرها تقلّ أو تكثر.

قواعد عنترة بن شداد

وقوة النفس هي القوة الحقيقية التي يتسلح بها أحدنا، والجبناء في كل زمان ومكان كثيرا ما يمتلكون قوة الجسد، والتي قد لا تنفعهم شيئا، وكثير من الشجعان لا يملكون قوى جسمية خارقة، والذي يميزهم هو القدرة على المخاطرة والإقدام حين يحجم الناس.

وقد جمع علي عزت بيجوفيتش بين الذكاء والشجاعة، ولكنه كان يُقدِّرُ الشجاعة أكثر من الذكاء، وقد كتب يقول: “لم يُغَنِّ الشعب للذكاء، وإنما غنَّى للشجاعة، لأنها الأكثر ندرة”.

وقد نال عنترة الشهرة لأنه اتبع ثلاث قواعد كانت بمثابة رؤيته السياسية التكتيكية والاستراتيجية وهي:

1 ـ أنه يُقدِم إذا رأى الإقدام “عزما”، ويحجم إذا رأى الإحجام “حزما”.

2 ـ لا يدخل مدخلا إلا إذا رأى منه مخرجا.

3 ـ أنه يهجم على الضعيف أولا فيضربه ضربة يهلع لها قلب الشجاع، ثم يرجع إلى الشجاع فيضربه.

ولذلك كان عنترة يشنُّ على أعدائه حربا نفسية، فقد جمع بين السيف والقافية، وكان يُعلي من شأن نفسه ويفتخر بها، ويُدخل الرعب في قلوب أعدائه، ومن ذلك قوله:

إني لأعجب كيف ينظر صورتي                                       يوم القتال مُبارزٌ ويعيش.

من العزم إلى الفعل

إن القرار لا يكون قرارا إلا إذا أضيفت إليه نتائجه، والشجاعة لا تكون شجاعة إلا إذا حكمت الطريق كله وواجهت الموقف من أوله إلى آخره. وما أصدق ما قاله (الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه): “إن من البلية أن يكون الرأي عند من يملكه لا من يبصره“.

وما حال العرب خاصة والمسلمين عامة اليوم _والتي لا تسرُّ صديقا ولا تغيظ عدوا_ إلا لأنهم لا يملكون قرارهم، ولا تقوم بهم عزيمتهم، وكأنَّ قول (تشرشل) ينطبق عليهم تماما: “لقد قرروا ألا يكون لهم قرار، وشددوا العزم على ألا يكون لهم عزيمة”.

وهو ما يكشف عن أن إهمال العدة ليس من شأن المؤمنين الصادقين، بل هو شعبة من شعب النفاق. وعلاج ذلك أن تتحول الرغبة إلى عزم، والعزم إلى خطة، والخطة إلى فعل.

وقد عبر (الحافظ ابن الجوزي) عن ذلك بأسلوبه الأدبي البديع، فقال: “من عزم على أمر هيَّأ آلاته، لمَّا كان شغل الغراب الندب على الأحباب، لبس السواد قبل النَّوْح”.

إن اشتداد الأزمة علامة على قرب الفرج ولحظات الإحباط هي أنسب اللحظات للمبادرات الشجاعة، كما يقول (نيلسون مانديلا)، وهو رجل خبير ومتمرِّس كما هو معروف عنه، ولهذا يكثر الخلط بين الرأي والشجاعة، ومن منهما حقه التقديم ومن حقه التأخير، والبيت الشعري المشهور الذي يَستشهد به من يقدِّمُ الرأي على الشجاعة، وهو قول الشاعر:

الرأي قبل شجاعة الشجعان                      هو أولٌ وهي المحل الثاني

إلا أن هناك وجهة نظر أخرى في الجمع بين الرأي والعزم، فقد قال الشاعر بين يدي أحد الأمراء:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا “تدبر”                           فإن فساد الرأي أن “تتعجلا”.

فقال له الأمير:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا “عزيمة”                       فإن فساد الرأي أن “تترددا”.

في الختام

ويمكننا أن نختم هذا المقال بهذا المثل الذي يكشف عن واقع الحال، فيروى أن ضفدعا وضع في ماء على نار هادئة، ثم بدأ تسخين الماء تدريجيا، وكان الضفدع يُعدِّل درجة حرارة جسمه فتظل المياه عادية ومقبولة، إلى أن وصل الماء لدرجه الغليان، ومات الضفدع في هذه التجربة.

وبدأ العلماء القائمون على التجربة في دراسة سلوك الضفدع، الذي كلما ارتفعت درجة حرارة الماء يعدِّل حرارة جسمه، على الرغم من أن الوعاء الذي وضعوا فيه الضفدع كان مفتوحا، وبإمكان الضفدع أن يقفز، ومع ذلك لم يحاول الضفدع القفز حتى في حالة غليان الماء، إلى أن مات.

وتوصَّل العلماء إلى أن الضفدع استخدم كل طاقته في معادلة درجة حرارته وتأقلمه مع المناخ الذي حوله على الرغم من صعوبته، إلى أن وصل لدرجة أنه لم يتبقَ عنده طاقة للتأقلم، ولا حتى لإنقاذ نفسه.

واستنتجوا أن الذي قتل الضفدع ليس الماء المغلي، ولكن إصرار الضفدع على أقلمة نفسه إلى حد أفقده الطاقة اللازمة لإنقاذ حياته.

حتى في حياتك، عندما تكون في علاقة، أي نوع من أنواع العلاقات الإنسانية ولست مستريحا لها، وتحاول أن تأقلم نفسك وتعدِّل من نفسك وتستخدم طاقتك الجسدية، والنفسية، والعقلية، والعصبية، إلى أن تصل إلى مرحلة أنك تفقد طاقتك كلها، عندها ستفقد نفسك.

لا تستهلك طاقتك كلها، اعرف متى تقفز وتنقذ ما تبقى منك ومن حياتك، واستفد من قواعد عنترة بن شداد الذهبية، إن لم تكن الثلاث، فالقاعدتين الأولى والثانية.

اقرأ أيضاً:

البحث عن نبي!

ما بين العقل والإرادة

الصبر مواجهة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

د. يحيى أحمد المرهبي

أستاذ أصول التربية المساعد كلية التربية والعلوم التطبيقية والآداب – جامعة عمران. الجمهورية اليمنية.

مقالات ذات صلة