إصداراتمقالات

القلب السليم فى العقل الحكيم

يعيش الإنسان في هذه الحياة في صراع دائم بين عقله وقلبه، فأيهما يحكم وما حدود كل منهما؟ فمن الناس من وضع لجام قلبه لسوط العقل؛ يحكم ويتدبر ويقبل ويرفض ويعطي ويمنع، ومنهم من ترك الساحة لنزوات قلبه ورغباته دونما حسيب أو رقيب.. وبين هؤلاء وهؤلاء يرى آخرون أن البحث في هذه الأمور هو جدل فكري عقيم وتنظير فلسفي باهت، ظنا منهم أن من يتحدثون في هذه القضايا هم كمن يدفنون رؤوسهم في التراب ليهربوا من واقعهم الحقيقي: والذي فيه أعراض الأمة مستباحة وكرامتها مهدرة ومقدساتها منتهكة وثرواتها منهوبة والتفكك والتشرذم يضرب بين أبناء أمتها، والقتل على الهوية رمزا للغيرة الدينية والنزعة الوطنية لمجاهديها….

ولا أفهم في الحقيقة السر وراء استخفافهم من كل من يقترب من مناقشة هذا الأمر في هذا الوقت؟ فهمت من أحدهم أن رفضه للحديث في هذه القضية أو استهزائه لتوقيت طرحها أنها تتحدث عن علاقات الحب والعشق وتأثيرها على قرارات الارتباط بين الزوجين، في ظل المدلهمات التي تمر بها الأمة والمؤامرات التي تحاك بالأوطان! ومع أنه لو كان هذا الأمر وفقط هو الدافع الوحيد لكفى به سببا في ظل ارتفاع حالات الطلاق في البيوت العربية لنسب مهولة.

ولكن في الواقع أن الأمر أعم وأعمق من ذلك بكثير؛ أو ليست أعراض الأمة مستباحة وكرامتها مهدرة لأن الأحاسيس العربية والإسلامية بالأساس توجهت بشكل خاطئ وبالقدر الذي أصبحت فيه عواطف شعوبنا الجياشة –إلا قليلا منا- تتأثر أكثر ما تتأثر بهزيمة لمنتخباتها الوطنية أو أنديتها المحلية بشكل لا يقارن معه الحزن والأسى على الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن في الداخل بشكل يومي داخل المؤسسات الحكومية، وفي الخارج بسبب غض طرف المجتمعات الدولية عن حقوقنا المسلوبة؟! خصوصًا وأننا قد ألفنا لون الدم وتعتقت أنوفنا بروائح الفساد بالقدر الذي أصبحنا نطالع فيه الأخبار الكارثية التي تنهال علينا بشيء من التبلد، ولو بلغ مقدار حزننا وألمنا النفسي على ما يحدث لنا ولأبناء أوطاننا ولحقوقنا المستباحة معشار ما يشعر به المواطن تجاه ضربة جزاء ضائعة أو تسلل وهمي لتغير حالنا من حال إلى حال. ولكن أصبح جدنا هزلا وهزلا جدا.

لذا فمن غير العقل الذي يستطيع توجيه المشاعر والأحاسيس الفياضة في الجانب الصحيح. وهنا ربما يرد أحدهم بأن الدين كفى به هاديا ودليلا لتوجيه بوصلة القلب للقبلة الصحيحة. وهذا أمر بديهي بلا شك فالوازع الديني هو أكبر دافع لكي يضحي المرء بنفسه وماله من أجل أن تنتصر فكرته، وانظر إلى أولئك الذين تحترق قلوبهم حسرة وألما على ما يحدث لأوطانهم، ويتمنون أن يفعلوا الأعاجيب نصرة لدينهم، ولكن بدون العقل وفهم الواقع سيصبحون بكل بساطة أدوات بأيدي المجرمين والتكفيريين والإرهابيين يحركونها كيفما يشاءون وبدلا من أن تتوجه مشاعرهم تجاه العدو الحقيقي، سيصيرون وقودا للسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية التي تصيب أبناء الوطن المختلفين في الدين أو المذهب باعتبارهم منافقين يجب استئصال شأفتهم أولا!

فقلب مخلص بلا عقل واعٍ حكيم: هو ريشة تتحكم فيها أمواج الشر، ورياح الانتهازيين.

اظهر المزيد

أحمد السيد

بكالوريوس تجارة
خريج معهد إعداد الدعاة بوزارة الأوقاف
باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالمنصورة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى