مقالات

الفلسفة وسؤال العنف – الجزء الثالث

من المقاربة السياسية إلى المقاربة الائتمانية

عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو

على غرار المقاربة السّياسية يمكن الحديث عن مقاربة رمزية لظاهرة العنف، والتي تميّز بين نوعين من العنف عنف معنوي وآخر مادي، أشهر من مثّل تلك المقاربة عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو (PIERRE Bourdieu) الذي وجّه انتقاده للنّظرية الماركسية في مقاربتها الفجّة للعنف كأحد أسباب الصّراع الطّبقي، ولم تفتح في مقابل ذلك فضاء على العنف الرّمزي، خاصة وأنّه يضرب في عمق نسيج العلاقات الاجتماعية والممارسات الاقتصادية.

ففي كتابه “الهيمنة الذكورية” جاء في ضبط بورديو للعنف الرّمزي ما نصُّه: “العنف الرّمزي (Violence Symbolique) ممارسة لطيفة وناعمة غير محسوسة، حتى لدى ضحاياه، فهو عنف يجد طريقه عبر وسائل رمزية خالصة، من قبيل التّواصل والمعرفة، والتعرف والاعتراف، وأقصى ما في المشاعر الحميمية” 11. من أنماط تلك الممارسة الإشارة، والعنف اللّفظي، وتمرير وسائل الإعلام للأيديولوجيات أو تبريرها عبر مضامين إعلامية موجّهة.

الفيلسوف الفرنسي لجون بودريار

من جهته كان للفيلسوف الفرنسي لجون بودريار مقاربته الرّمزية في قراءة وتأويل أحداث العنف الخاصة بهجمات 11 سبتمبر الشهيرة التي استهدفت برجي منهاتن بالــ “و م أ”. النّمط المعماري لذينك البرجين يشكل بانوراما معمارية متفردة تعكس تجليا لعنف العالم أو على حدِّ وصفه “وحوش معمارية”،

كونها بنايات إسمنتية ذات دعائم فولاذية عملاقة محاطة بتقنيات مراقبة تمثل الرأسمال الرّمزي للنّظام الرأسمالي، عنف البرجين ذاك ولّد عنفا مضادا، يجعل القول بحرب الرّموز أمرا مبررا، لذا كان دمارهما انهيارا لكلّ منظومة قيم غربية وحتى نظام العالم ككل، واستهدافهما استهداف للنّظام الرأسمالي ذاته 12 .

معايير الائتمانية

المقاربة الرمزية لظاهرة العنف أنّ طه لم يرَ فرقا بينها وبين العنف المادي، صحيح أنّ العنف وإن لم يكن على مرتبة واحدة، فهنالك عنف القول كما هنالك عنف الفعل، عنف التطرف وعنف الإرهاب مثلا، إلا أنّ العنف القولي قد يشكل ضررا أشدّ من الفعلي، ذلك أنّ معيار الائتمانية ليس الحس الظاهر بل المعنى الباطن، وعليه ترى الائتمانية أنّ القول ليس مجرد لفظ أو صوت وإنّما عمل تغييري مثله مثل الفعل، وعن أولئك الذين يمارسون عنفهم القولي تحت غطاء حرية الفكر وحرية التعبير، مُدّعين أنّ التعبير لا عنف فيه، إنّما هم على الحقيقة واقعين تحت سلطان الحس ما جعلهم لا يعتبرون إلاّ بما هو مادي بما في ذلك العنف.

كما أنّ معيار الائتمانية يسوّي بين العمل الظاهر والعمل الباطن في الحكم، معيار ذلك مدى التزامهما بالقيم الأخلاقية، لذا من الجائز أن يكون العمل باللّسان لدى المتطرف في قوّة العمل باليد الذي يتعاطاه الإرهابي.

معيار آخر تأخذ به الائتمانية هو تعيين خيارين أخلاقيين اثنين، خيار قابيل في مقابل خيار هابيل، والمتطرف الذي يغلو في قوله، يختار الأوّل، فيكون مثل الإرهابي في خياره القابيلي وفي نزعه لباس الإنسانية عن المُعنَّف وعن ذاته.

ومن معايير الائتمانية كذلك جعل عنف القول أصلا لعنف الفعل لأنّ من دأب المتطرف نشر “ثقافة العنف” مسترشدا بنصوص تراثية أو مُذكِّرا بأحداث تاريخية.. ذلك ما يؤدي في نهاية المطاف لممارسة الإرهاب كعنف مادي 13.

العالم الهابيلي في مقابل العالم القابيلي

لذلك وفي مسعى معالجتها لظاهرة العنف العالمي الراهن، تنطلق الفلسفة الائتمانية من تصور عالم مثالي خالٍ من العنف، وهو العالم الهابيلي، في مقابل العالم القابيلي 14، الأخير يضبطه قانونين اثنين، قانون الإحاطة صيغته “كل شيء سياسي/ أو كلّ شيء سيادي” بمعنى إمكانية التّسيد على كلّ شيء.

وقانون الشّمول صيغته النّصية “كلّ واحد سياسي/ أو كلّ واحد سيادي” مفاده أنّ كلّ واحد يمكن أن يتسيّد على غيره. من سمات العالم القابيلي أنّه “عالم تنتشر فيه المصالح المادية بإطلاق”، و”أنّه عالم يسوده التنازع بإطلاق”، و”أنّه عالم منافق بإطلاق”، و”أنّه عالم ينتهي بالهلاك حربا”.

على خلاف ذلك ينضبط العالم الهابيلي بقانونين مناقضين، قانون عدم الإحاطة صيغته “ليس كلّ شيء سياسيا/ أو ليس كلّ شيء سياديا” دلالته أنّ هنالك من الأشياء ما لا تقبل التسيّد عليها، روحية كانت أم مادية، الأولى لطابعها الروحي والثانية لأنّها ألبست لباسا روحيا.

وقانون عدم الشمول صيغته “ليس كلّ واحد سياسيا/ أو ليس كلّ واحد سياديا” ومعنى ذلك أنّه يوجد بعض الأفراد من لا يقبل التسيّد على غيره. وعليه فإنّ من سمات العالم الهابيلي “أنّه عالم لا يسيطر فيه التسيّد أو التسلط السياسي”، و”أنّه عالم يختار فيه صاحبه عدم التسيّد إلا لضرورة قاهرة”، و”أنّه عالم لا ينطوي إلا على أدنى أسباب العنف”15 .

آفاق جديدة في فهم طبيعة الممارسات العنيفة

انطلاقا من واقعة القتل الأول فإنّ طه يميز بين “التّفكير” في راهن ظروف العنف وأسبابه، وبين “التّفكر” في هذه الواقعة، والتي يعلق عليها رهانا خاصا كونها تفتح آفاقا جديدة في فهم طبيعة الممارسات العنيفة،

تلك الآفاق أولا “ارتباط القتل الأول بأصل التّشريع”؛ فلما كان القتل الأوّل سابقا على التّشريع، فإنّ العنف الحالي في إطار تواجد التشريعات والقوانين (أخلاقية أم قانونية) لا يعدّ مجرد جرم حاصل في نطاق القانون ولا حتى مُخالفة له، بل انقلابا عليه، في محاولة منه لجعل القانون غير موجود، وعليه “فكل عنيف يتشبه بقابيل في اعتبار القانون غير موجود، أمّا وأنّ القانون قد أضحى موجودا، فإنّه يسعى إلى إلغائه بالمرة، حتى يُحدث فراغا قانونيا، فعالم العنيف القابيلي عبارة عن عالم يلازمه الفراغ القانوني”.

ثانيا “مماثلة قتل الواحد بقتل الجميع”، إذ من قتل نفسا كأنّما قتل النّاس جميعا، ذلك أنّ القاتل لم ينزع عن المقتول روحه فحسب، وإنّما نزع عنه لباس الإنسانية الذي يشترك بموجبه مع كلّ بني آدم، جاعلا من المقتول مجرد شيء لا اعتبار له، والأسوأ من ذلك كلّه، أنّ العنيف ينعكس عليه فعله ذلك فينزع هو الآخر عن نفسه لباس الإنسانية منزلا ذاته درك الإبليسية 16.

ثالثا “نسبة كلّ قتل إلى القتل الأول” فابن آدم قابيل يتحمل وزر كلّ قتل لاحق كونه أوّل من شرع القتل، وعليه، فالقاتل أضحى هو نفسه منسوبا إلى قابيل، لأنّه تولى إحياء شِرعته بين النّاس، بل يجوز أنّ العنيف لا يؤذي معنوفه فقط بل المعنوف الأوّل كذلك أي هابيل، لأنّه أحيا سنّة قابيل لا سنّة هابيل في الامتناع عن القتل 17.

المصادر:

PIERRE, Bourdieu : La domination masculine, seuil, coll. “points- Essais”,Paris, 2002, p 81.   11

……

12   جون بودريار، إدغار موران. عنف العالم، ص ص 45- 47.

……

13  طه عبد الرحمن. سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية، ص ص 47- 50.

……

14  على رأس من وظّف واقعة القتل الأولى، قتل قابيل لأخيه هابيل، توصيفا للعالم الراهن، عالم العنف والاقتتال، المفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه: “الإنسان والإسلام”، وذلك في مجرى تحليله للصراع التاريخي بين الخير والشر، إذ تبنى رأيا يقول إن المجتمع البشري انقسم منذ اقتتال ابني آدم قابيل وهابيل إلى معسكرين، المستكبرين والمستضعفين،

استخدم كلاهما الدِّين وسيلة لتبرير ما يفعله: “ففي حين استخدمه معسكر قابيل كوسيلة لخداع البشر وتبرير الأوضاع الظالمة القائمة، والحصول على مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية غير شرعية، استخدم معسكر هابيل الدّين لتحقيق الوعي والثورة والعدل”.

يردف قائلا “أنّ التاريخ -بمقتولية هابيل وقاتلية قابيل- ينتقل من مرحلة الوحدة الإنسانية إلى مرحلة التمييز الإنساني، ومن مرحلة أصالة النوع البشري إلى مرحلة أصالة الفرد البشري وحبّ الانفرادية للنوع البشري. أي أن التاريخ بذهاب هابيل وبقاء قابيل انتقل من المرحلة الهابيليّة إلى المرحلة القابيليّة. وبإزالة هابيل وبقاء قابيل، أصبحنا جميعًا أبناء قابيل لأن هابيل لم يتزوج وظلّ محرومًا”. معتبرا أنّ “قابيل حيّ دائمًا في تاريخ البشرية لأن هابيل قد مات”. علي شريعتي. الإنسان والإسلام، تر: عباس الترجمان، دار الصحف للنشر، طهران، ط 1، 1990، ص ص35- 40.

……

15   طه عبد الرحمن. سؤال العنف، ص ص 12- 19.

……

16  جاء تعريف النّفس الإبليسية/ أو الشيطانية لدى الرّاغب الأصفهاني، على أنّها النّفس “التي تستعمل القوّة الشّهوية من غير تلفت إلى مقتضى العقل”. الذّريعة إلى مكارم الشّريعة، ص 89. هنا ندرك ضرورة التقابل الذي يجريه طه عبد الرحمن بين العنف والعقل، الأوّل يأخذ شرعيته من قوّة السّلطان وهو ما يُعرف عند طه بالتّسيد، لا من قوّة البرهان (العقل).

……

17 طه عبد الرحمن، المصدر السابق، ص ص 43- 46

اقرأ أيضاً:

الجزء الأول من المقال

الجزء الثاني من المقال

الإعلام ومشاهد العنف

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

د. حيدر العايب

دكتوراه فلسفة القيم وابستمولوجية العلوم الإنسانية، قسم الفلسفة ، جامعة سطيف الجزائر

مقالات ذات صلة