أسرة وطفل - مقالاتمقالات

الفطرة السليمة تحتاج طريقاً ممهداً ليرى جمالها العالم .. الفتاة الصغيرة والديناصور التائه

شاهدت منذ فترة أحد الفيديوهات على الفيسبوك تجلس فيه فتاة في حوالي الثالثة من عمرها أمام التلفاز تشاهد فيلماً بجانب والدتها، كانت تبكي بشدة لأن الديناصور الصغير في الفيلم تائه ولا يستطيع إيجاد والدته، بل وحاولت هذه الفتاة بفطرتها النقية أن تصرخ لتنصحه بأن ينادي على والدته ليجدها وهي سابحة في دموعها البريئة التي تعبر عن عطف ورقة شديدين.

ذكرني هذا الفيديو بأغنية كنت أسمعها وأنا صغيرة على إحدى قنوات الأطفال، كانت الأغنية تدعى “بائعة الكبريت”، تحكي معاناة هذه الفتاة الصغيرة الفقيرة التي تبيع أعواد الكبريت في ليالي شديدة البرودة والظلمة.

لم أنس الشعور السلبي الذي كان ينتابني في كل مرة أشاهد فيها هذه الفتاة الكارتونية المسكينة، ولم أنس نهاية الأغنية التي لا تنم أبداً عن أي أمل في سريان حياتها للأفضل، فقد غالبها النوم في النهاية في إحدى الطرقات بعد أن هدأت الأمطار ونفدت كل أعواد الكبريت في محاولات منها لإنارة ظلمة الطريق.

الحدثان قد يظهران مختلفان ولكني أجدهما شديدا القرب في المعنى، فكلاهما مثالان يتعرض من خلالهما أطفال لمواقف تظهر مدى عمق وطهارة الفطرة الإنسانية ولكنها لا تمهد سبيلاً إيجابياً لهذه الفطرة، لكى يرى جمالها العالم في الواقع، كيف ذلك؟

لقد انتهى مشهد الفيديو على حزن الفتاة الصغيرة لأنها شعرت بمعاناة الديناصور الصغير ولكنها لم تستطع مساعدته في إيجاد والدته، وانتهت أغنية بائعة الكبريت والطفل الذي يشاهدها غارق في دموعه لإحساسه بآلام هذه الفتاة المسكينة وحالها العسير ولعدم تمكنه من مساندتها في بيع أعواد الكبريت أو حتى برداء ثقيل يحميها من البرد والأمطار.

لقد تم إثارة الفطرة فعلاً، وإظهار مدى نقائها ولكن امتد الأمر لشعور سلبي بالعجز داخل الفتاة لعدم تمكنها من تغيير ما تألمت الفطرة من رؤيته.

قد يبتسم البعض ويدعي أن الحل بسيط، فبضع كلمات من الأب أو الأم كافية لتفهم الفتاة أن ما تشاهده هو مجرد خيال، فالديناصور الصغير وبائعة الكبريت هما مجرد صور ورسوم متحركة لا وجود لهما في الواقع! ولكن للأسف الأمر ليس بهذه البساطة لسببين: الأول أن الخيال والعاطفة عند الأطفال أقوى من العقل، فمهما حاولنا فغالباً لن نستطيع أن نمحو الشعور بالعجز داخلهم ولو لفترة؛ والسبب الثاني أن الواقع مليء بأمثلة لأناس أحوالهم أسوء من حال الديناصور الصغير وبائعة الكبريت.

ماذا لو تمت إثارة الفطرة الخيرة داخل الأطفال ثم أتبعناها بشعور الإنجاز والقدرة على التغيير؟ ماذا لو تمكنت هذه الطفلة الباكية أن تساعد الديناصور في إيجاد أمه؟ وتمكن الطفل من مساعدة بائعة الكبريت في بيع أعواد الكبريت وإيجاد مأوى آمن من البرد؟

ماذا لو قرر أب أن يشترك مع أطفاله في محاولات جادة لمساعدة فقراء مدينته بدلاً من الاكتفاء بالدعاء لهم والحزن على أحوالهم؟

حتماً ستـتشكل نفسية الطفل حينها بشيء من القوة والثقة بالنفس والقدرة على التأثير في الواقع، وسيعزز ذلك من نقاء وجمال الفطرة السليمة داخله، بدلاً من الشعور المرير بالسلبية والعجز.

ستحادثه نفسه عندما يرى مشهداً مؤلماً بأنه يمتلك القدرة والإرادة للتغيير والمشاركة الإيجابية، لا مجرد الانفعال السلبي أو الهروب.

أياً كان الشكل الذي تمارسه أيها المربي (أب– أم– معلم…) حاول أن تختلق المواقف لتعزيز شعور الأطفال بالقدرة على الفعل والتغيير للأفضل، لا الاكتفاء بإثارة عاطفتهم النقية وفطرتهم المحبة للخير، لينشأ جيل لديه قوة نفسية تتهدم أمامها الصعاب ويتشكل من خلالها المجتمع الذي نتمنى جميعاً وجوده.

فالأطفال هم الأمل الأقوى لإحداث التغيير المنشود، وتربيتهم على النحو الصحيح خطوة رئيسية للخلاص.

 

 

اقرأ أيضاً:

 يعني أية تربية ؟ أهمية الحديث مع الأطفال إشكاليات التربية

لا تتركوني وحيدا – التربية ودورها في إنشاء الطفل تنشئة سليمة وسوية

إشكاليات التربية في كل منزل – كيف نربي أبنائنا ؟ وعلى من تقع مسؤولية التربية ؟

 

الوسوم
اظهر المزيد

هبة علي

محاضر بمركز بالعقل نبدأ وباحثة في علوم المنطق والفلسفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق