قضايا شبابية - مقالاتمقالات

لماذا لا نقلع عن عاداتنا السيئة رغم علمنا بأضرارها ؟ حول الفارق بين المعرفة و الإيمان

بين العلم و الإيمان

يقع الطبيب صريعًا للمرض وعند التشخيص يظهر أن العلة نتيجة للتدخين، ويتعجب المحيطون؛ ألست طبيبًا وتعلم تمام العلم بمضار التدخين ونتائجه السلبية على الحياة والصحة؟! فلا تجد الإجابة..

تقسو الأم على أطفالها، تقع منهم بعض التصرفات اللاعقلانية فتبادرهم بالانفعال والصراخ والضرب والإهانة، تسوء حالة الأطفال ويصبحون أكثر عدوانية وعصبية وأكثر عرضة للأمراض النفسية وتشوهات الشخصية، تتعجب وتسأل الأم: ألستي تعلمين أن استعمال العنف والتربية بالخوف والقهر يؤثر سلبًا على الأبناء ويعوق تنشئتهم على نحو سليم؟! تجيب الأم بنعم، فلماذا تفعلين ذلك؟! فلا تجد الإجابة..

يظهر الشيوخ والدعاة على القنوات الاعلامية، ويبرعون في وعظ الناس ونصحهم وتوعيتهم وإرشادهم بتعاليم دينهم بكل جد وحماس، ثم ترى وتسمع عن تورط البعض في قضايا فساد أو ظلم أو عن بعض السقطات الأخلاقية أو عن تصريحات ودعوات مؤيدة للظلم والظالمين، فتتعجب، أليس هؤلاء هم أعرف الناس وأعلمهم بطرق الصلاح والخير؟! فلا تجد الإجابة..

إنه الإيمان

والحقيقة أن الإجابة لكل تلك التساؤلات وما يشابهها من تعارض الأقوال مع الأفعال واحدة، وملخصها هو الفارق بين العلم وبين الإيمان ؛ بين ما يعلمه الفرد واستقر في عقله فقط من علوم ومعارف، وبين إذعان نفسه لتلك الحقائق وتعلق قلبه بها وما انطبع على النفس وتشكلت به من أثر تلك العلوم والمعارف ومن ثم يظهر في سلوكياته وأفعاله.

لذلك فالعلم والمعرفة وحدها لا تكفي إن لم يعقبها عمل يوافقها وهذا هو المعنى الشامل لــ” الإيمان “، والعمل ما هو إلا انعكاس لما تعلق به القلب وأحبه سواء اتفق ذلك مع المعرفة التي أدركها بعقله أو خالفها، لذلك فالإيمان الصحيح بموافقة العمل للعلم لا يتحقق إلا لنفس وطنت ذاتها للسير في طريق الحق والخير والعدل، ودربت نفسها على التعلق به عن طريق القلب، بعد أن أدركت تلك الحقائق وشخصت هذا الطريق أولًا عن طريق العقل، وبالتالي ينعكس ذلك على الفعل.

ما يعرفه العقل وما ينطبع في القلب

فالطبيب المتخصص يدرك علة التدخين وأثره السيء على الصحة ولكنه فشل في مقاومة هواه وعادته السيئة وتدريب نفسه التي أدمنت الفعل على الإقلاع عنه، والأم تعلم بسوء أثر العنف في التربية ولكنها فشلت في مقاومة غضبها وتدريب نفسها على التحكم في انفعالها، والدعاة ربما يكونون قد حازوا على أعلى الدرجات والمناصب العلمية ولكنهم لم يدربوا أنفسهم على مقاومة شهوات المناصب والسلطة والأطماع.

والإنسان قد يعلم بالأدلة والبراهين وحدانية الخالق والرازق والمالك والمتصرف في الأمور، ويعلم تمام العلم بأنْ لا فاعل ولا مؤثر إلا الله وألّا شيء يمكن أن يقف في طريق مشيئته وإرادته، ولكن عند أول بادرة في تعاملاته الحياتية واليومية تجده ينكر ذلك في قلبه عندما يتوجه إلى الناس من أهل الدنيا وأصحاب الثروة والتمكن بطلب الحاجات والتذلل لهم، وعندما يخضع لسلطانهم وجبروتهم طمعًا في رزق يظن أنهم من يملكون حق وهبِهِ والتحكم فيه، وعندما يتوكل على الأسباب الطبيعية ويغفل عن التوجه إلى مالك الأسباب ومقدرها، وعندما ينظر إلى ما في أيدي الناس ويسعى لاستمالة قلوبهم وينسى أن الله هو مقلب القلوب والأبصار، كل ذلك لأن علمه لم يتجاوز مرتبة العقل لينطبع على صفحة القلب.

كيف يتحقق الإيمان

وأيضًا فإن المعرفة بأهمية الفضائل من حكمة وشجاعة وعفة وكرم ومروءة وغيرها ليس كافيًا لتحقق الإيمان إلا بعد اكتساب النفس لتلك الملكات الأخلاقية، وهو لن يتأتى إلا عن طريق ممارسة الأفعال الدالة على تلك الصفات، فالإنسان الذي يريد أن يكتسب صفة الكرم مثلًا لن يتحقق ذلك بأن يجلس مع نفسه ويخبرها أريد أن أكون كريمًا، بل يأتي ذلك من خلال مجاهدة النفس مرة بعد مرة بالإنفاق واخراج الأموال، حتى يألف الفعل ويصبح له عادة.

هكذا يتحقق معنى الإيمان الذي يشمل العلم بالإضافة الى ترجمة هذا العلم لتتحقق قيمته الحقيقية في انعكاسه على كافة مظاهر الحياة، بأن تتعلق النفس بقيمته ومن ثم تتولد الإرادة والدافعية لتطبيق ما تعلمته مما تيقنت بصحته، ثم بدء السير في طريق التنفيذ من خلال الفعل والسلوك والمداومة على ذلك، فالحق لا يتحقق إلا بمن يؤمن به قيمة ثم يدافع عنه سلوكًا، والخير لا يحدث إلا بعد القيام بفعل الخير، والعدل لا يتحقق في الأرض إلا من خلال جهود رفع الظلم وتنفيذ قوانين العدالة.

اقرأ أيضاً:

العلوم النظرية والعلوم التطبيقية – أيهما أهم ؟

كيف تتهذب النفس البشرية ؟

هل كل خريج جامعة يعتبر متعلم ؟

اظهر المزيد

دينا خطاب

باحثة في علوم التفكير والمعرفة

فريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى