فن وأدب - مقالاتمقالات

المبرمج الشاعر العناق الأبدي بين الأدب والعلم .. الجزء الخامس

هذا التداخل بين الأدب وعلوم أخرى جعل مجلة “موزايك” الكندية الفصلية، التي صدرت عام 1967، إلى أن تغير عنوانها من “مجلة الدراسة المقارنة للآداب والأفكار” إلى “مجلة الدراسة البينية للأدب”، وأصبحت هيئة تحريرها تضم متخصصين في الموسيقى والأنثروبولوجيا والقانون والفنون الجميلة وعلم المكتبات والعمارة والتاريخ والاقتصاد والصيدلة والعقيدة واللغة والفيزياء وعلم الاجتماع وعلم النفس والسينما. لهذا لم يكن من المستغرب أن تصدر أعدادًا جاءت عناوينها على النحو التالي: “السينما والأدب” و”الموسيقى والأدب” و”الحرب والأدب” و”الأدب والقانون” والعلاقة بين الحمية (الرجيم) والأدب، وهكذا.

لكن الأمر تعدى محض التداخل بين حقلين علميين ومعرفيين، إلى التعويل على الأدب في تغيير الواقع، أو طلب “النكهة الأدبية” خارج الأدب، كما يقول مصطفى ناصف، الذي يقول: “قاومنا بالأدب وتاريخه التعليم الأزهري الديني، وقاومنا بالأدب اهتمامًا آخر كثيرًا، بل خُيِّل إلينا أن مبتدأ كل نهضة أدب وشعر”. فهناك من أفرط في الاتكاء على الأدب، أو بمعنى أدق سلطان البلاغة، في إمكانية التصدي لما يواجهنا من مشكلات وتحديات. وهذا إن كان وهمًا في جانب منه فإنه في جانب آخر دليل على الدفع بالأدب –ردحًا من الزمن– ليواجه المساقات والمسارات العلمية والحياتية الأخرى.

جذرية العلاقة بين العلم والفن

وعودٌ على بدء فإن الترابط والتداخل بين الفن والعلم يرجع إلى فجر الحضارة الإنسانية، إذ تُبين جداريات وجدت بالكهوف تعود إلى أكثر من ثلاثين ألف عام وغيرها هذا الترابط والتواشج بين المجالين، ولم يجر الانقطاع بينهما إلا في مطلع القرن التاسع عشر، جراء المبالغة في الفصل بين العمل اليدوي والعمل الآلي، وبين المادة والروح، وبقية الثنائيات المرافقة للعلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع والفلسفة. ونجم عن هذا تباين كبير بين المنظور المادي البحت، والنظرة الروحية المحضة. وامتد هذا إلى الإنتاج الرأسمالي المعقد، مقابل الإنتاج الزراعي والحرفي البسيط. لكن هذا الانقطاع بدأ ينهار نتيجة تطور العلوم والتكنولوجيا نفسها.

بين الفن للفن والفن للمجتمع

ومع تقدم تعقيدات الحياة وزيادتها أخذت الحواجز والفوارق بين المجالات المختلفة من هذه الحياة في البدء بالتداخل والذوبان مع بعضها الآخر، حتى وجدنا بعض الباحثين يرون أن تقنيات الحاسوب أقرب اليوم إلى الفن منها إلى العلم.

ربما قاد التأثير السلبي للأيديولوجيات على الفن إلى خلق مخاوف مرضية لدى النقاد من طغيان الأفكار على شروط الفن وطرائقه، أو توظيفه في خدمة أغراض تنال من جماله واحتفائه بالخيال، فبات فريق منهم يعتقد في أهمية ابتعاد العلم الإنساني عن الفن، لأن كلًا منهما يفسد الآخر، أو على الأقل لأن لكل مساره وطرق التعبير عنه ومآلاته.

هناك من يتوهمون أن الفنان لا يمكن أن يفكر تفكيرًا علميًا، وأن العالِم ليس بوسعه أن يتذوق الجمال، ويبنون على هذه الأوهام تصوراتهم عن الفن والعلم، فيجعلون بينهما خصامًا دائمًا أو محتدمًا على أقل تقدير.

من هذا المنطلق يتعقب بعض النقاد أي حضور للعلم أو للفكر في أي عمل أدبي، ويرون هذا عيبًا شديدًا، في حين يتعقب بعض العلماء أي حضور للجمال في عمل علمي ويرون في هذا خطأ فادحًا.

ويتحدث هذا الفريق عن الفن الخالص، وذاك الفريق عن العلم المحض، كأن الفن بلا علم، والعلم بلا فن. وتعدى هذا حدود الجدل القديم بخصوص ما إذا كان “الفن للفن” أم “الفن للمجتمع” إلى رؤية حادة ترى أن الفن الجيد يخلو من البرهان، والعلم النافع يخلو من الجمال، مع أن مفهوم الإبداع في المجالين، يظهر أن كلًا منهما مدين للآخر. والإبداع العلمي يختزن في داخله المكونات نفسها التي في الإبداع الفني، وكلاهما إنتاج اجتماعي في حقيقة الأمر.

تبادل المنافع بين العلوم والفنون

إن النقاد يتحدثون عن “المعمار الروائي” مثلًا، ويستعملون ما جاد به العلم في هندسة البناء كله، وتحضر في رؤوسهم عطاءات علوم اللغة والنفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد والفلسفة، التي تطورت عبر ضبط مناهجها ومسارات براهينها، ومع هذا ينفرون –إن تحدثوا عن رواية أو قصيدة أو قصة أو كتبوا عنها– من الإشارة إلى وجود فكرة فيها ظاهرة أو كامنة، وإن بادروا وتناولوا هذه الفكرة فإنهم يدخلون إليها من باب القدح أكثر من باب المدح.

إن علم النفس والاجتماع مثلًا، يمكنهما أن يساعدا الناقد في معرفة تأثير البيئة الاجتماعية وظروف النشأة على تكوين الأديب وتطوره، ويمكن للأبحاث في مجال الإبداع أن تساعد الأديب نفسه على التركيز والإلهام والوثوب إلى آفاق رحبة. وساهمت الأعمال الفنية والنصوص الأدبية ذاتها في تطوير علوم اللغة والاجتماع فظهر علم اجتماع الأدب وعلم اجتماع الرواية، وغاص علماء نفس وراء السمات النفسية لشخصيات روائية وقصصية، واستفاد الأدباء –مع ظهور الرواية المعرفية– من عطاءات مختلف العلوم الإنسانية والطبيعية. وكان أدب الخيال العلمي دومًا أمام التجارب المعملية بسنوات طويلة.

وهذا التداخل –أو تبادل المنافع– بين الفنون والعلوم ساهم في تطوير مناهج البحث والدرس، التي أصبحت تعتمد على البصيرة إلى جانب البصر، والحدس مع البرهان، والتحليل الكيفي مع الكمي، لذا فإن الناقد الحصيف عليه ألا يستنكف من البحث عن تأثير الفكرة على النص، والعلم على السرد، والتفكير العلمي على البناء، وألا يتوهم بأن الفنان والعالم لا يمكنهما أن يلتقيا، فإذا كان هذا حاصل بين العلوم البحتة والفن، كما وضحنا سابقًا، فما بالنا بالعلوم الإنسانية؟! وإذا كانت مقتضيات الدراسة قد أدت إلى تفرع العلوم والرؤى وتوزعها فإن الأمر في الواقع جد مختلف، إذ إن التفاعل بين المجالين قائم ودائم، وهذا ما التفت إليه النقد الثقافي الذي يتسع مساره وترسخ خطواته بمرور الوقت.

سعيد يقطين يدعو لتجديد الفكر الأدبي العربي

بل ينتقل بنا سعيد يقطين من النقد الأدبي إلى الفكر الأدبي، باحثًا عن بنى وأنساق له تتأسس على خلفيات علمية وفلسفية وتقنية، وتقوم على ركائز رئيسية أولها: الانتقال من الانطباع إلى المنهج في تحليل الأدب، وثانيها: ربط الفكر الأدبي بالعلوم الإنسانية وفق رؤية معرفية جديدة تتجاوز الاختزال أو التطبيق الحرفي، وثالثها: يتمثل في الدفاع عن مكانة الأدب في المجتمع بوصفه ركن صلب في إحداث تطور حقيقي للإنسان، وليس فقط تحقيق المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذا يتطلب تطوير صور إبداع الأدب وقراءته وصناعته وترويجه. أما الرابع: فيرتبط بالانفتاح على تقنيات المعلومات والتواصل.

وبعد تحديده هذه الركائز الأربع يقول: “إن الارتقاء بالأدب إلى مكانة سامية من الاعتبار والتخطيط لا يمكن أن يوازيها غير تأسيس فهمنا وقراءتنا له على أرضية علمية، تسهم في الإرتقاء بتطوير جامعاتنا ومدارسنا وإعلامنا إلى مستوى أعلى، وبذلك سيتساوى الأدب والعلم، ويسهمان معًا في تشكيل فضائنا الثقافي على دعامتين أساسيتين، لا بد من تضافرهما، لأي تحول منشود أو تطور مقصود”.

إن هذه التبادلية بين العلم والفن، التي لا تُنكَر إلا من جهل أو رغبة في تحديد معالم صارمة منضبطة للعلوم الإنسانية، يجب أن يعيها كل من يتصدى لدراسة أي فرع من الإنسانيات، فيزاوج بين العقل والحدس، وبين البصر والبصيرة، وأن يسعى إلى امتلاك خيال فنان وهو يقلب ما لديه من معلومات في الحقل العلمي الذي يتخصص فيه حتى يكون بوسعه أن يضيف جديدًا إليه.

مقالات ذات صلة:

الجزء الأول من المقال

الجزء الثاني من المقال

الجزء الثالث من المقال

الجزء الرابع من المقال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. عمار علي حسن

روائي ومفكر مصري