علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

الأخلاق ما بين الجاهلية والحداثة

إن المجتمعات التي لا يسود فيها إنكار السيئ من الأخلاق وانتقاد الرديء من التصرفات، ولا يشعر فيها المفسد بعار خطيئته والمذنب بفداحة جرمه لهي مجتمعات ميتة ساقطة، توفر بيدها بيئة خصبة للفساد وأهله وللفسق وعشيرته.

وإن انتشار الفضيلة بين أبناء المجتمع لا يتحقق إلا حين يشعر كل من يشذ عن أخلاق المجتمع أو يغرد خارج سرب أعرافه أنه غريب منبوذ وأن ما يفعله مستهجن مكروه، وهذا الأمر على بساطته لا يعد رفاهية، بل مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق كل فرد من المجتمع وكل عضو فيه، لذلك كان الصامت عن الحق شيطانًا أخرسًا، وكان إنكار المنكر واجبًا دينيًا.

الأخلاق في العصر الجاهلي

وإنك لتعجب من مجتمعات عاشت حياة البداوة قبل ظهور الإسلام حتى وُصفت بالجاهلية، لكنها رغم ذلك كانت تمتلك من الأخلاق ما يجعل كل فرد فيها ينكر كل معيب من الأفعال ويتأفف من كل مشين من الأقوال، وإنهم ليعدون ذلك من النقائص ومما يجلب العار.

لقد كانت هذه المجتمعات رغم جاهليتها أكثر وعيًا بل وأشد حرصًا على القيم والمباهاة بالتمسك بها، وأكثر خوفًا من أن تعيَّر بفقدها.

والأمثلة على ذلك كثيرة:

أبي جهل

– فحين قيل لأبي جهل (عمرو بن هشام)، حين تآمرت قريش على قتل الرسول –صلى الله عليه وسلم– ليلة الهجرة: “لم ننتظر محمدًا حتى يخرج من داره؟ لماذا لا نكسر الباب عليه ونأخذه من سريره؟”، فرد أبو جهل مستنكرًا: “وتعيرني العرب قائلة إن عمرو بن هشام روَّع بنات محمد وهتك حرمة بيته؟”.

السموأل وامرؤ القيس

– وحين ذهب وفد قبيلة بني أسد إلى امرئ القيس، يطلبون منه عدم الثأر منهم لمقتل أبيه، رفض امرؤ القيس عرضهم لكنه وافق أن يهادنهم حتى تضع كل ذات حمل حملها، وترك الوفد يرحل دون أذى، وحين أنشد أحد رجال الوفد (واسمه قبيصة) مهددًا:

“لعلك أن تستوخم الموت إن غدت، كتائبنا في مأزق الموت تمطر”، (أي سوف تحكم على نفسك بالموت إن قررت قتالنا).

قال امرؤ القيس: “لا والله لا أستوخمه، فرويدًا ينكشف لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي إن كنت نازلًا بربعي”، (أي والله لا أخشى الموت و لا قتالكم، ولولا أنك في ضيافتي لكان لي رد آخر).

– ويقال إن امرأ القيس عندما أراد اللحاق بقيصر طلبًا للنجدة، أودع دروعه وأسلحته عند السموأل وكان يهوديًا ثم رحل، ولما سمع أحد ملوك الشام بموت امرئ القيس، توجه إلى السموأل يطالبه بتسليم ما أودعه عنده فامتنع هذا عن ذلك. وكان له ابن خارج الحصن فأمسك به الملك، ثم صاح بوالده قائلًا: “هذا ابنك في يدي، وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي ومن عشيرتي وأنا أحق بميراثه. فإن دفعت إليَّ الدروع فبها وإلا ذبحت ابنك”. فأبى السموأل أن يستجيب لطلبه وقال: “ليس إلى دفع الدروع سبيل. فاصنع ما أنت صانع”.

فذبح الملك ابنه أمامه وهو ينظر إلى ذلك. لكن السموأل ثبت عند رفضه، مؤكدًا: “لا أغدر بذمتي، ولا أخون أمانتي ولا أترك الوفاء المفروض عليّ”، وانتظر حتى جاء ورثة امرئ القيس الشرعيون فدفع إليهم حاجيات الشاعر.

عثمان بن طلحة

– وحين خرجت أم سلمة من مكة وحيدة تريد الهجرة إلى المدينة لقيها عند التنعيم أحد وجهاء مكة وساداتها واسمه عثمان بن طلحة، فاستغرب من سفرها وحدها وسألها: “إلى أين يا بنت أبي أمية؟” فقالت: “أريد زوجي في المدينة”، فسألها: “وهل معكِ أحد؟” أجابت: “لا والله إلا الله وابني هذا”، عندها أخذته الحمية وكان لا يزال مشركًا فانطلق يقود بعيرها أيامًا ولياليَ حتى أوصلها إلى المدينة، وقد امتدحته أم سلمة عندما صارت زوجة رسول الله بعد أن استشهد أبو سلمة بأحد قالت: “ما رأيت أكرم من عثمان بن طلحة”.

مطعم بن عدي

– وبعد عودة النبي محمد وبصحبته زيد بن حارثة من الطائف، وقد لقي من ثقيف ما لقي من إيذاء وضرب بالحجارة، أرسل رجلًا من خزاعة إلى المُطعم بن عدي يسأله أن يُدخِل محمدًا وزيدًا في جواره، فقال المطعم: “نعم”، ودعا بنيه وقومه فقال: “تلبسوا السّلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدًا”، فدخل محمد ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: “يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا، فلا يهجه أحد منكم”، فانتهى النبي محمد إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وولده محيطون به، لأجل ذلك قال عنه النبي محمد: “لو كان مطعم بن عدي حيًا، ثم استشفعني في هؤلاء النتنى (يعني أسرى بدر) لشفّعته فيهم”.

والمؤكد من ما سبق كله أنه حين يُشعر المجتمعُ الفاسدَ بأنه منبوذ مستهجن، ويشعر الناس بعزلة المخطئ المفسد يكون في ذلك عقابًا له، بل ورسالة وعيد لكل من يحاول خرق قيم المجتمع والانقلاب على أعرافه، ويكون في ذلك صيانة لأخلاق المجتمع وقيمه.

مقالات ذات صلة:

النخوة في الجاهلية

الصفات الجاهلية الخمس للإنسان المعاصر

الانحراف السلوكي عن القيم الأخلاقية

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. عمرو أبو الحسن المنشد

مدرس أمراض الصدر كلية الطب – جامعة أسوان