مقالات

العالم ليس قرية صغيرة – ثقافة الصورة وتوهم معرفة الواقع

“العالم أصبح قرية صغيرة”

 مقولة طالما تغنى بها الكثيرون المنبهرون بالتقدم التقني الكبير جدا الذي شهده العالم.

كما بررت تلك المقولة البناء لنظام عالمي قائم على التبادل الحر والأسواق المفتوحة، وتخطي الحدود والثوابت، مبررين ذلك بأن العالم وصل لمرحلة من التواصل، وتناقل الاخبار والموارد لما يشبه القرية الصغيرة التي لا يخفى فيها شيء عن أحد. حيث بدأت الآلة الإعلامية هوايتها المفضلة من نقل أخبار العالم من أقصاه إلى أقصاه، كما عمدت وسائل التواصل الاجتماعي على كسر الحدود والمسافات في تواصل الأفراد مع بعضهم البعض،

كما تناقلت البضائع والمنتجات من كل بقاع الأرض لباقي المجتمعات، واختفت ثقافات وانتهت خصوصيات للكثير من الحضارات، وصبغ العالم بصبغة واحدة، ساهم في انتشارها من يملك وسائل التواصل والقنوات الإعلامية العالمية والشركات العابرة للقارات، كم عزز تلك القدرة والهيمنة التقدم التكنولوجي والقوة العسكرية الضخمة.

وأصبح الأمر بلسان الحال (أمر واقع) وأصبحت مقولة “العالم أصبح قرية وحدة” مقولة ثابتة يبرر بها الكثير من الانتهاكات والممارسات غير المنطقية وغير العادلة. غير أن حقيقة الأمر غير ذلك.

واقع المقولة

واقع الأمر أن الكثير منا لم يتحقق من سلامة تلك المقولة على وجه اليقين؛ وأعني بذلك أن غالبية الشعوب تم تلقينها تلك الفكرة من خلال ما تم بثه لها من صور ومقاطع فيديو ونشرات أخبار وسياسات، فهل “هي ــ أعنى تلك الشعوب ــ تمتلك القدرة على التأكد من سلامة المضمون الذي وصل إليها؟

وعلي سبيل المثال، الكثير منا يحمل في ذهنه صورة شبه مثالية عن المجتمعات الغربية، وأنها مجتمعات تخلو من المشكلات، والآفات كبقية الشعوب، وحتى إن وجدت فيها مشكلات فهي من نوعية المشكلات المتعلقة بمزيد من الرفاهية، كما يحمل الكثير منا نفس الصورة المثالية عن شعوب تلك البلدان ومدى تحضرهم ورقيهم الأخلاقي والاجتماعي والفكري، ونحن هنا لسنا في سبيل النقد أو التأكيد، لكن نطرح السؤال الآتي: من منا تأكد وعايش تلك المجتمعات حتى يتأكد من الأفكار التي كونها عنهم؟

الإجابة ستكون لم نسافر، ولم نعايشهم، بل شاهدنا ذلك على شاشات التلفاز والأفلام التي تبث لنا والبرامج التي تتحدث عن مجتمعاتهم وتقارنها بمجتمعاتنا.

ثقافة الصورة

وهذه هي ثقافة الصورة التي تم العمل بها منذ فترات سابقة كنتاج للمنهج المادي التي لا تقر ولا تعترف إلا بما تراه كي يعتبرها حقيقة! لكن هنا خدعة كبيرة جدا جدا. نشاهد جميعا الشمس يوميا، ونلمس تأثيرها، لذلك نقر جميعا بوجودها وحرارتها، لكن ثقافة الصورة التي ارتضاها أصحاب (تغييب العقول) إن صح التعبير تعتمد على الصورة التي صنعوها هم، وقاموا ببثها لكل شعوب العالم على أنها هي الحقيقة فقط، مشكلين بذلك وعي الشعوب وثقافتهم،

فقد أقنعوا العالم بأننا أصبحنا قرية صغيرة حتي يسيطروا على العالم أجمع، راسمين صورة مثالية خيالية لشعوبهم ومجتمعاتهم، مداعبين بذلك خيال وطموحات الشعوب التي نهبوها وسرقوها من خلال الاستعمار، ليجعلوهم يشعروا بالدونية وأنهم شعوب عالم ثالث. ويجعلوهم ينموا لو أصبحوا مثل تلك الشعوب وأصبحت كثير من المجتمعات ترضي بالغزو الثقافي والاحتلال الفكري طوعا وليس كرها.

الحقيقة المخبأة في ظل الصورة

غير أن الحقيقة أن تلك الشعوب التي رسمنا لها صورة خيالية بأنها شعوب العالم الأول المتحضر هي نفسها تلك الشعوب والمجتمعات التي تدفع الضرائب لحكومات تقتل وتقيم الحروب على باقي شعوب العالم، وتسلبها مقدراتها وثرواتها، تلك الشعوب التي نعتبرها دولا متقدمة هي على المستوى الأخلاقي من أحط وأقبح الشعوب،

فهي من أسس القتل والبلطجة والدمار وانتشار الحروب وثقافة الغاب في العالم أجمع. تلك الشعوب التي لا نعلم عنها غير الصورة المرسلة لنا، الكثير منها جاهل لا يدرك من الحقائق غير كيفية الاستهلاك ثم الاستهلاك ثم الاستهلاك.

كل ذلك تم من خلال انتشار ما يسمى ثقافة الصورة التي اعتمدت على إعطاء نموذج واحد، والترويج بأنه كل الصورة.

الغرض من نشر تلك الثقافة

دعونا نسأل مرة اخري: هل ما يبث لنا من أخبارهي كل الاخبار؟ هل هي كما هي دون تدخل وتغيير وتحريف؟ هل نعلم حقا كل ما يدور حولنا على وجه الحقيقة؟ هل ما يبث لنا كامل حقيقي أم ناقص مزيف؟ هل…؟  تساؤلات لا حصر لها، ولن تنتهي حتى يدرك الجميع أن ثقافة الصورة ثقافة زائفة في الأغلب الأعم، كما أن مصطلحات كدول العالم الثالث، دول العالم الأول، شعوب متقدمة وشعوب متخلفة… إلخ،

كل هذا لا يخلو من غرض التجهيل، وزيادة السيطرة على مقدرات الشعوب، وإحكام السيطرة على العالم. فالمجتمعات الغربية كما الشرقية فيها من السلبيات والإيجابيات ما يوجد في أي مجتمع وإن اختلفت المسميات، كما أن استضعاف الناس وظلمهم لا يقتصر على شعوب دون الأخرى، فعدم الأمان والاستعباد الجديد منتشر في كل العالم، كما أننا نعلم بالكثير من الأمور إلا أن ما نجهله أكبر وأكثر.

العالم ليس بقرية صغيرة، بل هو عالم ذو آفاق واسعة، وسياسات مختلفة ومتضاربة، وفى الكثير من الأحيان متصارعة، وقد يكون ما نظنه باطل هو صواب، والعكس قد يكون صحيحا.

ما يجب علينا فعله

فيجب ألا ننخدع بالصورة، ولا نتأثر بالأقوال الرنانة لأن ذلك للأسف الشديد لا يمر دون تأثير، فهو يترك أثرا في عقولنا ونفوسنا على المدي البعيد أو القريب، كما أنه يدخلنا دون إرادة منا لأننا لم نفكر وننقد، يدخلنا تحت أفكار ورؤى قد نرفضها لو أدركنا حقيقتها.

في الختام أتذكر قول مضمونه يقول ” لو أقنعتك بالصورة التي أريك أيها فقد امتلكت عقلك” فهل سنسمح بذلك؟ أم يجب أن نسعى ونتحقق وندقق في كل ما ينقل إلينا حتى تستقيم الصورة، ويتضح الواقع الحقيقي.

هل نصدق فعلا أننا شعوب متخلفة، ودول عالم ثالث؟ أم ندرك أثر الاستعمار ومخططاته لمزيد من السيطرة والتجهيل وزيادة الفقر وسرقة الشعوب؟

هل ندرك أن مجتمعاتنا فيها من التراث الحضاري والأخلاقي والعلمي والفلسفي والأدبي ما يؤهلها لتتصدر عالم الرقي، أم ننخدع بأن الحضارة هي الحضارة الغربية فقط، وأن التقدم الغربي لا يوجد مثيل له؟

هل سننطلق مما نحمله من خصوصية حضارية، أم نصدق زيف الادعاءات بأننا شعوب لا تملك شيئا، وإن امتلك فهو قديم رجعي متخلف، هل سنصدق تلك الادعاءات الهدامة؟

إن عدو الإنسان الحقيقي هو الجهل، وأشد أنواع الجهل هو جهله بنفسه وقدراته وما يمتلكه من مصادر قوة.

اقرأ أيضا:

لُب الزيتونة .. البحث عن السبب الجذري أفضل من معالجة الآثار الناتجة عنه

دواء فاوست .. صناعة الدواء بين الاحتكار والعدل! أحق الحياة مكفول للجميع ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى