مقالاتقضايا شبابية - مقالات

الصداقة

إياك أن تعتقد يا صديقي أنني قد ابتعدت عن قلى، أو غبت عن سآمة، أو هجرتك عن كره وملامة، فلا والله ما كان، وكيف يكون؟ وكيف تظن ذلك؟! وأنت تعلم مقدار حبي لك، وذوباني فيك، كما أنك –حفظك الله– تدرك جيدا مدى صفائي، ونقاء قلبي، وطهارة سريرتي، ونظافة سيرتي، تدرك أنني لست من هؤلاء الذين يبيعون المودة، ويهجرون الإخاء، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، فمثلك يا صاحبي جوهرة ثمينة، ودرة متينة، وصدفة يتيمة، ولؤلؤة نادرة، فلا يمكن أن نستعيض عنك بديلا، أو نتخذ غيرك صاحبا وخليلا!

ما أبرئ نفسي

لكنني –ويعلم الله– مررت بظروف قاسية، مما يعرض لذوي الابتلاءات وحدثان الدهر، بما لا يستطيع الإنسان معه إلا الصبر والجلد، وإظهار القدرة على المواجهة مهما كانت الكلفة باهظة، والرحلة قاسية، ومن ثم فقد آثرت أن أبتعد قليلا، ليس عنك فقط –وحاشاي– وإنما عن العالم بأسره، والدنيا بأجمعها، بل عن الكون، كل الكون.

لقد رمت أن أكون وحدي، ولهذا فلم أرد أن يراني أحد، وخصوصا أنت، وأنا على تلكم الحال الصعبة، من عدم الاستقرار النفسي، والاهتزاز الذاتي.. آثرت الوحدة وإن كانت قاتلة، والاعتزال وإن كان مضنيا على الانخراط والاجتماع؛ خوفا من أن يمس أحدا شيء مما أعانيه من هم وغم، وما أقاسيه من ظلام مدلهم..

آثرت أن أعتزل في ركن بمفردي لا يراني أحد، ولا يشعر بي فرد، أحببت –مع المضاضة– أن أعيش الألم وحدي، وأخبر الحزن بنفسي ولنفسي، كنت أروم فرصة أهتبلها لمجابهة ذاتي، ومواجهة روحي، ومن ثم أعمل على إعادة ترتيب نفسي التي تبدلت بفعل الواقع المهشم، وتغيرت إزاء ما تعيشه من حاضر مؤلم، خصوصا بعد فشلي في التكيف مع ما حولي في هذي الملابسات وتلكم الظروف!

ولربما يتهمني البعض بالهشاشة العاطفية والحساسية المفرطة، ولا أخفيك ربما يكون ذلك صحيحا، وما أبرئ نفسي؛ لربما أكون أكثر حساسية مع حياة ملؤها انعدام الثقة، وقلة الأمانة، وشيوع الخيانة، وذيوع الفساد، وتهرؤ الأخلاق، وازدياد الشقاق، وانتشار العهر، فآه يا صديقي ثم آه! ماذا أفعل؟ وماذا يكون مصيري؟ خاصة بعد أن بيعت الذمم، وتبدلت القيم، واشتريت الضمائر، وانكشفت السرائر، وتحكمت الأموال، وركب السفال، وتصدر السفهاء، وتأخر العلماء، وتمايل الرقص، وتصدع الرأس، وماج الجهل، وغاب العقل!

قريبا يا صديقي

لا تحزن يا صديقي، ولا تخف علي فأنا بخير، أو سأكون كذلك في قابل الأيام، كل ما في الأمر أنني سأعتزل بعض الوقت، أرجو ألا يستمر طويلا، أهتبل فرصة كي أرمم نفسي المنهكة، وأربت على روحي المتعبة، أخلو مع ذاتي، فأبكي بصوت مسموع، أصرخ حيث لا يراني أحد، أتململ حيث لا يشعر بي أي فرد، أنتبذ مكانا قصيا، فأشكو نفسي إليها، أتحدث معها، أحاورها، أعاتبها، أسألها، أسائلها فلربما أجابتني، لماذا فرَّطت في حقها كثيرا؟! لماذا صبرت على الهموم وكان يمكن لها أن تجابهها دون التعايش معها؟

تواجهها دون الرضوخ لها، لماذا باتت حزينة وكان من الممكن أن تنحي الحزن جانبا وتعيش الحياة؟ وأسأل، وأسأل، وأسأل، وأرفع صوتي عليها، وأصرخ في وجهها، فإذا ما تضايقت من أسلوبي هدهدتها، وطمأنتها، وخففت من شدتي، ورأفت بها، وحنوت عليها، فإذا ما بكت قبلتها واعتذرت إليها، ثم احتضنتها، نعم احتضنتها بشدة، فإذا ما ذهب روعها، وراحت لوعتها، عاودت المعاتبة، فلربما انتهرتني هي،

وأرادت أن أنهي حواري معها، لكنني لا أرضى، حتى أخرج ما لدي نحوها، ولربما قلبت لي ظهر المجن، ورأت أن الخطأ خطئي، وليس منها، وأنني السبب في كل شيء، وأنني من جررت عليها المتاعب، وجلبت لها المصاعب، وأنني، وأنني، وأنني، فأبكي، وأبكي، وأبكي، فتنظر إلي بحنان، وترمقني بعين روؤم وتحنان، فأهدأ قليلا، ثم لربما نتصالح، وربما ينتهي حوارنا بأخذ هدنة ريثما نعاود النقاش مرة أخرى.

أفعل كل ذلك يا صديقي وأنا بمأمن عن أعين الرقباء، وألسنة الخبثاء، وآذان من تشوهت خلالهم، وتشظت خصالهم، فلعلني يا صديقي إن فعلت ذلك أخرج لك وللعالم شخصا آخر قد تصالح مع نفسه، قادرا على العطاء مع الآخرين بعد أن تستريح ذاتي من وعثائها، وروحي من عنائها، ولعل ذلك لا يطول، ويكون قريبا، قريبا يا صديقي ، أرجو ذلك!!

اقرأ أيضاً:

الصداقة في الفِكر الصيني

حين يلتقي الصديقان!

كيف يواجه الصديقان مشاكل الحياة؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

أ. د. محمد دياب غزاوي

أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية- جامعة الفيوم وكيل الكلية ( سابقا)- عضو اتحاد الكتاب

مقالات ذات صلة