مقالات

السحر وحرمة الأموات

انتشرت في الآونة الأخيرة في جمهورية مصر العربية ظاهرة ما يسمى بالسحر الأسود ودفنه في المقابر، حيث ينتشر الدجالون والمشعوذون في العديد من القرى بمختلف المحافظات كالنار في الهشيم، وتختلف التسعيرة حسب الحالة، كأن يقوم أحدهم بفك العمل أو وضعه بمبلغ 5 آلاف جنيه، وهو يضع العمل السفلي في مقبرة تحت رأس ميت أو داخل المقابر عن طريق “التربي” مقابل 500 جنيه،

كما يطلب 2000 جنيه مقابل فك العمل، وهي قصص تكشف عن سيطرة الخرافة والدجل والشعوذة على حياة كثير من الناس في ظل ما يشهده المجتمع من تطورات اجتماعية وسياسية متلاحقة دفعت الكثير منهم -كما تؤكد الدراسات الاجتماعية- إلى الذهاب للعرافين والوقوع فريسة للدجالين والمشعوذين، وأصبح الدجل مهنة وبأشكال مختلفة ويمارسها الكثيرون أمام الملأ.

سحر القبور

وهناك قصص تروى عما يعرف بالبيوت المسكونة بالجنّ، والسحر المدفون في كفن ميت، والعمل المدفون في القبر، والسحر المكتوب على عظام ميت، وكلها مصطلحات لجرائم يرتكبها بعض الدجالين بهدف الانتقام أو جلب الحبيب أو الإنجاب، والتي نهى عنها الإسلام تحت مسمى سحر القبور والتي يفضلها أغلب السحرة، لأن القبور تكون بعيدة عن السكان وبالتالي يكون من الصعب الوصول إليها.

أما المشكلة الكبرى والتي ترتبت على انتشار السحر بالقبور هي الحملات التطوعية والمبادرات الشبابية التي انطلقت مؤخرا تحت شعار (نظفوا المقابر)، حيث بدأت هذه الحملة في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية وعثرت على عدد كبير جدا مما أسموه (بالأعمال) داخل المقابر.

وكشفت الحملة التطوعية عن الكثير من هذه الأعمال «مدفونة» في المقابر، وتنوعت ما بين كتابات سحرية وطلاسم يعلمها ممارسو السحر والشعوذة مرسومة بـ«دماء »، وعظام وشعر وملابس داخلية من لوازم السحر والشعوذة، وفقًا لوصفهم.

كما شهدت محافظة المنوفية واقعة مؤلمة أيضا في هذا السياق، حيث قام أحد الأشخاص باستخراج أكفان الموتى من مقابر مدينة شبين الكوم وذلك بداعي البحث عن أعمال سحر مدفونة هناك، وقد تبين وفقا للبلاغ الذي تقدم به الأهالي في هذا الشاب أنه استخرج أكثر من ثلاثين كفنا للموتى من هذه المقابر.

للمقابر حرمة

ومن جانبه استنكر فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد كريمة الأستاذ بجامعة الأزهر هذه الوقائع ورفضها مؤكدًا أن للمقابر حرمة، فكما قال العلماء فإن القبر مسكن الإنسان بعد موته، فلا تجوز إهانته بأي حال من الأحوال، ولا يجوز نبشه سواء كان الموتى للمسلمين أو غيرهم، وسواء كانت أجسام الموتى جديدة أو من أزمنة بعيدة، مبديًا أسفه عن تعريض المقابر لما حرمته وجرمته الشريعة الإسلامية من أعمال سحرية إلى دجل وشعوذة وطلاسم، معتبرًا هذه الأشياء مُحرمة جملة وتفصيلًا.

كما أشار إلى أن ما يعثر عليه ويكتشفه الأفراد القائمون على تلك الحملات شيء يدعو إلى الأسى والحزن، مؤكدًا على أهمية إيمان المسلمين بالقدر خيره وشره، مستشهدًا بقول الله تعالى: «وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» – سورة يونس.

تعقيب دار الإفتاء على الظاهرة

كما ردت دار الإفتاء المصرية على عدة أسئلة وردت إليها فيما يتعلق بـ (هل يجوز فتح القبور للبحث عن السحر والأعمال؟)، وأجاب أمين الفتوى عبر الصفحة الرسمية: “أن هذا لا يجوز لأنه اعتداء على الميت، ففتح القبر على الميت بغير ضرورة أو حاجة لذلك غير جائز شرعا، والسائل يقول للبحث أي أنه غير متيقن”.

وتابعت دار الإفتاء: “ينبغي أن يكون المسلم صاحب عقلية علمية تؤهله لعبادة الله تعالى، وعمارة الأرض، وتزكية النفس، ولا ينبغي له أن ينساق وراء عقلية الخرافة التي تقوم على الأوهام والظنون، ولا تستند إلى أدلة وبراهين، وقد كثر في زماننا هذا بين المسلمين شيوع عقلية الخرافة، وانتشر إرجاع أسباب تأخر الرزق وغير ذلك من ابتلاءات إلى السحر والحسد ونحو ذلك”.

والصواب هو البحث في الأسباب المنطقية والحقيقية وراء هذه الظواهر، ومحاولة التغلب عليها بقانون الأسباب الذي أقام الله عليه مصالح العباد، وعلى المسلم أن يستعين بالله في ذلك، كما ينبغي عليه أن يزيد من جانب الإيمان بالله والرضا بما قسمه الله له.

ولا يعني هذا الكلام إنكار السحر والحسد، فإنه لا يسع مسلمًا أن ينكرهما فقد أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم بوجودهما، فقال سبحانه: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ( البقرة: 102)، وقال عز وجل: ﴿ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ( الفلق: 5 ) ،

واختتمت دار الإفتاء: “ولكن المنكر هو الإسراف في ذلك حتى غدا أغلب من يزعمون أنهم يعالجون من السحر من المدعين المشعوذين المرتزقة، وأغلب من يظنون أنهم من المسحورين هم من الموهومين، وعلى كل حال، فمن لم يجد مبررًا منطقيًّا لما يحدث له، وغلب على ظنه أنه مسحورٌ أو نحوه، فليتعامل مع ذلك بالرُقى المباحة والتعوذ المشروع، كالفاتحة، والمعوذتين، والأذكار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم”.

اقرأ أيضاً:

ثقافة الموت

 عندما يغيب العقل

هنا تكمن المشكلة والحل

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

أ. اسماء الشاعر

معلم أول لغة عربية بالأزهر الشريف

مقالات ذات صلة