مقالات

الريموت كنترول (2) – آثار استخدام التكنولوجيا – من هو المسيطر: الإنسان أم الآلات ؟

قلنا فى المقال السابق أننا ارتبطنا كثيرا بالتكنولوجيا بحيث أصبحت حياتنا تعتمد على ضغطة زر بما تعارف عليه باسم “الريموت كنترول” وبالرغم من مميزات التكنولوجيا وأهميتها التى تكلمنا فيها سابقا إلا أن سلبياتها ليست بالقليلة أيضا، وقد مر تناولنا لإجمالى سلبياتها على الفرد وعلى المجتمع إلى الحد الذى أصبحت أهم مشكلات العصر الحديث تتعلق بالتكنولوجيا.

فيلم Wall-E

كمثال على هذا الأمر فطن إليه صناع السينما العالمية فى أحد أفلام الخيال العلمى للرسوم المتحركة لشركة ديزنى شاهدنا الروبوت المسمى (  (Wall-E يعيش وحيدا على كوكب الأرض الذى أصبح مكبا للنفايات ولم يعد للحياة فيه أملا وتوجه الإنسان هاربا إلى الفضاء فى سفينة الأكسيوم  Axiom مع وعد من شركة

Buy-N-Large  بترك الآلات أشقاء وال-إي لتنظيف الأرض لحين عودتهم بعد خمس سنوات كما ورد بالإعلان من الشركة، انتقد الفيلم النمط الاستهلاكى لحياة البشر والاعتماد على التكنولوجيا فى كل أمور حياتهم سعيا منهم وراء التطور التكنولوجى الذى أدى إلى فقدانهم للتطور الإنساني الحقيقي ليعودوا أطفالاً بلا مسؤولية فتتأثر علاقاتهم التى لم تعد إنسانية وتتجلى فى عدم التواصل الحقيقى؛ فهم يتواصلون عن طريق شاشات أمامهم، لا يعرفون شيئا عن الحياة أو عن واقعهم إلا من خلالها  فعندما يسقط أحدهم من على كرسيه فلا يستطيع التحرّك بسبب السمنة المفرطة مع عدم محاولة المشى من قبل ويستعطف من هم حوله بأن يساعدوه ليجلس على كرسيه مرة أخرى ولكن لا أحد يسمعه ولا أحد ينتبه له سوى الروبوت الذي يساعده ليجلس على كرسيه مرة أخرى . wall_e

وكما أوضح الفيلم فإن آثار سلبيات التكنولوجيا على الإنسان عظيمة وليست بسيطة بحيث يمكننا التغاضى عنها والالتفات للميزات فقط، فإن لم ننتبه ونحن نستخدم التكنولوجيا والآلات  لتحولت هذه المميزات وهذه النعم إلى نقم، وكما هى معظم الآلات يجب أن تستخدم بشكل مناسب بلا إفراط وبما يتناسب واحتياجاتنا فقط.

هل استخدمنا التكنولوجيا أم هي استخدمتنا ؟!

فمثلا فى فترة السبعينيات لم تكن تتوفر الغسالات بعد، وكان تنظيف الثياب يتطلب مجهودا بدنيا من الأفراد، إلا أن هذا المجهود من حركة للجسد واليدين كان بمثابة الرياضة التى تساعد فى زيادة الكتلة العضلية المتمركزة فى تلك المناطق من الجسد، ومع دخول عصر الحداثة وتوافر الغسالات الأوتوماتيك زادت أمراض السمنة بنسب أعلى عما كانت عليه قديما، وحاليا فإن توفر السلم الكهربائى والمصعد الكهربائى أثر كثيرا على الحالة الصحية للأفراد حيث زادت بشكل ملحوظ أيضا أمراض السمنة والقلب فى المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء؛ فكلما تطورت التكنولوجيا وكلما زاد اعتمادنا عليها -بالطبع كنتيجة للتواكل عليها- خسرنا من صحتنا ومن علاقاتنا أكثر وأكثر!

إن ظهور الأجهزة الإلكترونية الحديثة مثل “الكمبيوتر، أجهزة الموبايل والتابلت،…” والتى كان من المنتظر أن تقرب البعيد وأن تساعدنا أكثر على الارتقاء بإنسانيتنا وآدميتنا وتيسر علينا مصاعب الحياة وتعمل على التقريب بين المجتمعات من مختلف الثقافات والأعمار والأجناس، إذا بها تفعل بنا عكس ما كان يراد منها! لقد استخدمتنا التكنولوجيا بدلا من أن نستخدمها!

فكما نرى جميعا الواقع من حولنا ينضح بحقيقة أنها أصبحت القائد، والإنسان أصبح مجرد تابع لها، هى المؤثر ونحن الأثر لا أكثر! وليس هناك من أحد لا يرى ذلك متحققا فحتى من خلال شاشاتنا التى لم نعد نعلم شيئا عن الخارج وعن الواقع الخارجى سوى من خلالها سواء كانت “شاشات الكمبيوتر، موبايل، تليفزيون،…”  فلا فرق، فإننا أيضا نرى ذلك واضحا وضوح الشمس فى كبد السماء، إنها هي من تتحكم!

نتاج الإستخدام السئ للتكنولوجيا

وأبسط دليل على أننا أسأنا استخدام تلك الأجهزة أن الإعلانات التى تروجها الشركات التجارية  بكثرة أمامنا على تلك الشاشات، تروج غالبا لعلاجات لما سببته تلك التكنولوجيا والآلات الحديثة من أضرار؛ فمِن إعلان عن منتج للتنحيف إلى إعلان عن منتج لعلاج آلام المفاصل والقدمين، وعمليات الليزك للعيون التى تضررت كنتاج طبيعى لعدد الساعات غير الطبيعى فى  النظر إلى تلك الشاشات، حتى وصل الأمر إلى إعلانات للدجل تسعى فى إصلاح العلاقات الأسرية والاجتماعية التى خربتها التكنولوجيا بسيطرتها على الأفراد وزرع الحواجز فى العلاقات الاجتماعية،

أما عن قنوات تأجيج الشهوات فحدث ولا حرج؛ فقد سهلت وروجت للحرام من الحصول على المال أو اللذة والعلاقات المحرمة بسهولة وبدون عناء إلى اللهث  وراء الشهوات هنا وهناك والذى أصبح أيضا بضغطة زر مباح وسهل توفيره مما زاد الهوة والفجوة بين الأفراد من داخل الأسرة الواحدة.

ولذلك فإن ما وصل إليه حالنا كمجتمعات من شتات أصاب الأسرة التى هى النواة الأولى للمجتمع، وأصاب كل من تخلى عن التعقل والعقلانية فى التعامل تجاه هذه التكنولوجيا وتجاه الآلات الحديثة بترك أنفسنا رهينة لشهواتها ولتلك الآلات، وعليه فإن تعاملنا تجاه التكنولوجيا  من منطلق الشهوات سيجعلنا سجناء لها أكثر فأكثر، ولن نرى من خيرها شيئا أو فائدة تذكر بل ستكون هى المسيطرة على تلك العلاقة، وهى المحركة والمستخدمة لنا واقعا، لا نحن من نحركها ونستخدمها!

الحل

إن من واجبنا استخدام التكنولوجيا من منطلق العقل والحكمة واستخدامها بالقدر الذى يكفينا أمرنا فقط ويساعدنا على مواجهة أعباء الحياة ويجعلها تحت تصرفنا وليس العكس؛ لأن من ترك مصيره وحياته تحت قيادة الشهوات خسر إنسانيته التى تتلخص فى العقل والتفكير المنطقى والتصرف الحكيم والتعامل بمنطقية تجاه كل ما يواجهه فى الحياة من مواقف حياتية تستلزم وتتطلب تفكيرا مرتبا منهجيا عاقلا يسعى بالإنسان إلى السعادة الحقيقية ولا يحول دون  تحقيقها والوصول إليها.

فالأمر يتلخص فى الترشد فى استهلاك أى من نعم الخالق علينا يقول الله سبحانه وتعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)   صدق الله العظيم
سورة الإسراء  الآية 29

لقراءة الجزء الأول من المقال ” الريموت كنترول ” أضغط هنا

اقرأ أيضاً:

هل الأرض كروية أم مسطحة ؟

هل هناك سبيل للتخلص من المعاناة ؟

هل تفكر الحواسيب ؟

اظهر المزيد

رحيل محمد

عضوة بفريق بالعقل نبدأ بالقاهرة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى